نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٩٢ - سورة يوسف
- وَ تَوَلََّى عَنْهُمْ وَ قََالَ يََا أَسَفىََ عَلىََ يُوسُفَ وَ اِبْيَضَّتْ عَيْنََاهُ مِنَ اَلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف: ٨٤].
فإن قيل: فلم أسرف يعقوب عليه السّلام في الحزن و التهالك و ترك التماسك حتّى ابيضّت عيناه من البكاء و الحزن، و من شأن الأنبياء عليهم السّلام التجلّد و التصبّر و تحمّل الأثقال، و لو لا هذه الحال ما عظمت منازلهم و ارتفعت درجاتهم؟
الجواب: قيل له: إنّ يعقوب عليه السّلام بلي و امتحن في ابنه بما لم يمتحن به أحد قبله؛ لأنّ اللّه تعالى رزقه مثل يوسف عليه السّلام أحسن الناس و أجملهم و أكملهم عقلا و فضلا و أدبا و عفافا ثمّ أصيب به أعجب مصيبة و أطرفها؛ لأنّه لم يمرض بين يديه مرضا يؤول إلى الموت فيسلّيه عنه تمريضه له ثمّ يأسه منه بالموت، بل فقده فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس منه، و لا يجد أمارة على حياته و سلامته، فيرجو و يطمع. و كان متردّد الفكر بين يأس و طمع، و هذا أغلظ ما يكون على الانسان و أنكأ لقلبه، و قد يرد على الانسان من الحزن ما لا يملك ردّه و لا يقوى على دفعه. و لهذا لا يكون أحدنا منهيا عن مجرّد الحزن و البكاء، و إنّما نهي عن اللطم و النوح، و أن يطلق لسانه فيما يسخط ربّه و قد بكى نبينا صلّى اللّه عليه و آله و سلم على ابنه إبراهيم عند وفاته. و قال: «العين تدمع و القلب يخشع و لا نقول ما يسخط الرب» ، و هو القدوة في جميع الآداب و الفضائل، على أنّ يعقوب عليه السّلام إنّما أبدى من حزنه يسيرا من كثير، و كان ما يخفيه و يتصبّر عليه و يغالبه أكثر و أوسع ممّا أظهره.
و بعد، فإنّ التجلّد على المصائب و كظم الغيظ و الحزن من المندوب إليه، و ليس بواجب و لا لازم، و قد يعدل الأنبياء عن كثير من المندوبات الشاقّة، و إن كانوا يفعلون من ذلك الكثير.
فإن قيل: كيف لم يتسلّ يعقوب عليه السّلام و يخفّف عنه الحزن ما يحقّقه من رؤيا ابنه يوسف عليه السّلام، و رؤيا الأنبياء عليه السّلام لا تكون إلاّ صادقة؟.
الجواب: قيل له في ذلك جوابان: أحدهما: انّ يوسف عليه السّلام رأى تلك