نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٠١ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
فأمّا الدليل على أن لفظة أولى تفيد معنى الإمامة: فهو انا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ إلاّ فيمن كان يملك تدبير ما وصف بأنه أولى به [١] و تصريفه و ينفذ فيه أمره و نهيه، ألا تراهم يقولون: «السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعيّة» و «ولد الميّت أولى بميراثه من كثير من أقاربه» و «الزوج أولى بامرأته» و «المولى أولى بعبده» ، و مرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه، و لا خلاف بين المفسّرين في أن قوله تعالى: اَلنَّبِيُّ أَوْلىََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [٢] المراد به أنه أولى بتدبيرهم، و القيام بامورهم، من حيث وجبت طاعته عليهم، و نحن نعلم أنه لا يكون أولى بتدبير الخلق و أمرهم و نهيهم من كلّ أحد منهم إلاّ من كان إماما لهم مفترض الطاعة عليهم.
فإن قالوا: اعملوا على أن المراد بلفظة «مولى» في الخبر ما تقدّم من معنى «ولي» من أين لكم أنه أراد كونه أولى بهم في تدبيرهم، و أمرهم و نهيهم، دون أن يكون أراد أنه أولى بأن يوالوه و يحبّوه أو يعظموه و يفضلوه؟؛ لأنّه ليس يكون أولى بذواتهم، بل بحال لهم و أمر يرجع إليهم، فأيّ فرق في ظاهر اللفظ أو معناه بين أن يريد بما يرجع إليهم تدبيرهم و تصريفهم، و بين أن يريد أحد ما ذكرناه؟
قيل له: سؤالك يبطل من وجهين:
أحدهما: أن الظاهر من قول القائل: فلان أولى بفلان، أنه أولى بتدبيره، و أحق بأن يأمره و ينهاه، فإذا انضاف في ذلك القول بأنه أولى به من نفسه زالت الشبهة في أن المراد ما ذكرناه، ألا تراهم يستعملون هذه اللفظة مطلقة في كلّ موضع حصل فيه تحقّق بالتدبير، و اختصاص بالأمر و النهي، كاستعمالهم لها في السلطان و رعيّته، و الوالد و ولده، و السيّد و عبده؟و إن جاز أن يستعملوها مقيدة في غير هذا المعنى إذا قالوا: فلان أولى بمحبّة فلان أو بنصرته أو بكذا و كذا منه، إلاّ أن مع الإطلاق لا يعقل عنهم إلاّ المعنى الأوّل، و لذلك نجدهم يمتنعون من أن يقولوا في المؤمنين: أن بعضهم أولى ببعض من أنفسهم،
[١] في نسخة بتدبيره.
[٢] سورة الأحزاب، الآية: ٦.