نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥٩ - سورة هود
ينبت في الرمل تستظلّ بظلالة الظباء من الحرّ، و تأوي إليه، قال الشماخ:
إذا الأرطى توسّد أبرديه # خدود جوازيء بالرّمل عين [١]
و قوله: «قالا» من القيلولة لا من القول، على أن قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ كما يدلّ على الرحمة يدلّ أيضا على «أن يرحم» ، فإذا جعلنا الكناية بلفظة «ذلك» عن أن يرحم كان التذكير في موضعه؛ لأنّ الفعل مذكر، و يجوز أيضا أن يكون قوله تعالى: وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ كناية عن اجتماعهم على الإيمان، و كونهم فيه أمة واحدة؛ و لا محالة أنّه لهذا خلقهم؛ و يطابق هذه الآية قوله تعالى: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [٢] .
و قد قال قوم في قوله تعالى: وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنََّاسَ أُمَّةً وََاحِدَةً معناه أنّه لو شاء أن يدخلهم أجمعين الجنّة، فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة، و أجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنََا لَآتَيْنََا كُلَّ نَفْسٍ هُدََاهََا [٣] في أنّه أراد: هداها إلى طريق الجنّة، فعلى هذا التأويل أيضا يمكن أن ترجع لفظة «ذلك» إلى إدخالهم أجمعين إلى الجنّة، لأنّه إنّما خلقهم للمصير إليها و الوصول إلى نعيمها.
فأمّا قوله تعالى: وَ لاََ يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ فمعناه الاختلاف في الدين و الذهاب عن الحقّ فيه بالهوى و الشبهات.
و ذكر أبو مسلم محمد بن بحر في قوله: مُخْتَلِفِينَ وجها غريبا: و هو أن يكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سلفهم في الكفر، لأنّه سواء قولك: خلف بعضهم بعضا، و قولك: اختلفوا، و سواء قولك: قتل بعضهم بعضا، و اقتتلوا؛ و منه قولهم: لا أفعل كذا ما اختلف العصران و الجديدان، أي جاء كلّ واحد منهما بعد الآخر.
فأمّا الرحمة فليست رقّة القلب كما ظنّه السائل، لكنّه فعل النعم و الإحسان،
[١] ديوانه: ٩٤.
[٢] سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
[٣] سورة السجدة، الآية: ١٣.