نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٢ - سورة يونس
كانا جميعا ينبئان عن الغرض و يدلاّن على المقصود، ألا ترى أنّهم يقولون:
«جئتك لتكرمني» ، كما تقولون: «جئتك أن تكرمني» ؟و المعنى أنّ غرضي الكرامة، فإذا جاز أن يحذفوا أحد الحرفين جاز أن يحذفوا الآخر.
ثانيها: أنّ اللام هاهنا لام العاقبة و ليست لام الغرض، و يجري مجرى قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [١] و هم لم يلتقطوه لذلك بل لخلافه، غير أنّ العاقبة لمّا كانت ما ذكره، حسن إدخال اللام، و مثله قول الشاعر:
و للموت تغذو الوالدات سخالها # كما لخراب الدّور تبنى المساكن [٢]
و نظائر ذلك كثيرة، فكأنّه تعالى لمّا علم أنّ عاقبة أمرهم الكفر، و أنّهم لا يموتون إلاّ كفّارا، و أعلم ذلك نبيّه، حسن أن يقول: إنّك آتيتهم الأموال ليضلّوا.
و ثالثها: أن يكون مخرج الكلام مخرج النفي و الانكار على من زعم أنّ اللّه تعالى فعل ذلك ليضلّهم، و لا يمتنع أن يكون هناك من يذهب إلى مذهب المجبّرة في أنّ اللّه تعالى يضلّ عن الدين، فردّ بهذا الكلام عليه كما يقول أحدنا: «إنّما أتيت عبدي من الأموال ما آتيته ليعصيني و لا يطيعني» ، و هو إنّما يريد الإنكار على من يظنّ ذلك به، و نفي إضافة المعصية إليه.
و هذا الوجه لا يتصوّر إلاّ على الوجهين: إمّا بأن يقدّر فيه الاستفهام و إن حذف حرفه، أو بأن يكون اللام في قوله: «ليعصيني» لام العاقبة الّتي قد تقدّم بيانها. و متى رفعنا من أوهامنا هذين الوجهين، لم يتصوّر أن يكون الكلام خارجا مخرج النفي و الانكار.
و رابعها: أن يكون أراد الاستفهام، فحذف حرفه المختصّ به، و قد حذف حرف الاستفهام في أماكن كثيرة من القرآن.
[١] سورة القصص، الآية، ٨.
[٢] البيت لسابق البربري راجع العقد الفريد، ١: ١١٣.