نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٥ - سورة التوبة
فإن قيل: فإن لم تكن هذه الآية دالّة على إضافة الذنب إليه، فالآية الّتي في سورة الممتحنة تدلّ على ذلك؛ لأنّه تعالى قال: قَدْ كََانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرََاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قََالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمََّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ كَفَرْنََا بِكُمْ وَ بَدََا بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةُ وَ اَلْبَغْضََاءُ أَبَداً حَتََّى تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَحْدَهُ إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [١] فأمر بالتأسي و الاقتداء به، إلاّ في هذا الفعل. و هذا يقتضي انّه قبيح.
قلنا: ليس يجب ما ذكر في السؤال، بل وجه استثناء (استغفار) إبراهيم عليه السّلام لأبيه عن جملة ما أمر اللّه تعالى بالتأسي به فيه، أنه لو أطلق الكلام لأوهم الأمر بالتأسي به في ظاهر الاستغفار من غير علم بوجهه، و الموعدة السابقة من أبيه له بالإيمان، و أدّى ذلك إلى حسن الاستغفار للكفّار، فاستثنى الاستغفار من جملة الكلام لهذا الوجه، و لأنّه لم يكن ما أظهره أبوه من الإيمان و وعده به معلوما لكل أحد، فيزول الإشكال في أنّه استغفر لكافر مصرّ على كفره. و يمكن أيضا أن يكون قوله تعالى: إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ استثناء من غير التأسّي، بل من الجملة الثانية الّتي تعقّبها هذا القول بلا فصل و هي قوله:
إِذْ قََالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ إلى قوله: وَ بَدََا بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةُ وَ اَلْبَغْضََاءُ أبدا، لأنّه لمّا كان استغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه مخالفا لمّا تضمّنته هذه الجملة، وجب استثناءه. و ألاّ توهّم بظاهر الكلام انّه عامل أباه من العداوة و البراءة بما عامل به غيره من الناس.
فأمّا قوله تعالى: إِلاََّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهََا إِيََّاهُ فقد قيل إنّ الموعدة إنّما كانت من الأب بالإيمان للابن، و هو الّذي قدّمناه. و قيل: إنّها كانت من الابن بالاستغفار للأب في قوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ . و الأولى أن تكون الموعدة هي من الأب بالإيمان للابن؛ لأنّا إن حملناه على الوجه الثاني كانت المسألة قائمة.
و لقائل أن يقول: و لم أراد أن يعده بالاستغفار و هو كافر؟و عند ذلك لا بدّ أن يقال: إنّه أظهر له الإيمان حتّى ظنّه به، فيعود إلى معنى الجواب الأوّل.
[١] سورة الممتحنة، الآية: ٤.