نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦١ - سورة الأنعام
و قد قيل في الآية-على تسليم أنّ هذا القول يقع منهم في الآخرة-: إنّ المراد به أنّا ما كنا عند نفوسنا و في اعتقادنا مشركين؛ بل كنّا نعتقد أنّا على الحقّ و الهدى، و قوله تعالى من بعد: اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لم يرد هذا الخبر الذي وقع منهم في الآخرة؛ بل إنّهم كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا بإخبارهم أنّهم مصيبون محقّون غير مشركين؛ و ليس في الظاهر إلاّ أنّهم كذبوا على أنفسهم من غير تخصيص بوقت؛ فلم يحمل على آخرة دون دنيا.
و لو كان للآية ظاهر يقتضي وقوع ذلك في الآخرة لحملناه على الدنيا؛ بدلالة أنّ أهل الآخرة لا يجوز أن يكذبوا لأنّهم ملجئون إلى ترك القبيح.
فأمّا قوله تعالى حاكيا عنهم: يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ و قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ فمن الناس من حمل الكلام كلّه على وجه التمني؛ فصرف قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ إلى غير الأمر الذي تمنّوه؛ [لأن التمنّي لا يصحّ فيه معنى الصدق و الكذب]؛ لأنّهما إنّما يدخلان في الأخبار المحضة؛ لأنّ قول القائل: ليت اللّه رزقني ولدا؛ و ليت فلانا أعطاني مالا أفعل به كذا و كذا لا يكون كذبا و لا صدقا؛ وقع ما تمنّاه أو لم يقع؛ فيجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ مصروفا إلى حال الدنيا، كأنّه تعالى قال: و هم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم في الدنيا من الإضافة و اعتقاد الحقّ؛ أو يريد أنّهم كاذبون أن خبّروا عن أنفسهم أنّهم متى ردّوا آمنوا و لم يكذبوا؛ و إن كان ما كان ممّا حكي عنهم من التمنّي ليس بخبر.
و قد يجوز أيضا أن يحمل قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ على غير الكذب الحقيقيّ؛ بل يكون المراد و المعنى أنّهم تمنّوا ما لا سبيل إليه فكذب أملهم و تمنّيهم؛ و هذا مشهور في الكلام؛ لأنّهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك: كذب أملك، و أكدى رجاؤك؛ و ما جرى مجرى ذلك؛ قال الشاعر:
كذبتم و بيت اللّه لا تأخذونها # مراغمة ما دام للسّيف قائم