نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٣ - سورة الأنعام
التكذيب ثمّ يقول: إنّهم بآيات اللّه يجحدون؟و هل الجحد بآيات اللّه إلاّ تكذيب نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم!.
الجواب: قلنا: قد ذكر في هذه الآية وجوه:
أوّلها: أن يكون إنّما نفى تكذيبهم بقلوبهم تديّنا و اعتقادا، و إن كانوا مظهرين بأفواههم التكذيب؛ لأنّا نعلم أنّه كان في المخالفين له صلّى اللّه عليه و آله و سلم من يعلم صدقه، و لا ينكر بقلبه حقّه؛ و هو مع ذلك معاند؛ فيظهر بخلاف ما يبطن، و قد قال تعالى: وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [١] .
و ممّا يشهد لهذه الوجه من طريق الرواية ما رواه سلاّم بن مسكين، عن أبي يزيد المدنيّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له: يا أبا الحكم، أتصافح هذا الصّبيّ؟فقال: و اللّه إنّي لأعلم أنّه نبيّ؛ و لكن متى كنّا تبعا لبني عبد مناف!فأنزل اللّه الآية.
و في خبر آخر أنّ الأخنس بن شريق خلا بأبا جهل، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم، أصادق هو أم كاذب!فإنّه ليس هاهنا من قريش أحد غيري و غيرك يسمع كلامنا، فقال له أبو جهل: ويحك!و اللّه إنّ محمدا لصادق، و ما كذب محمد قطّ؛ و لكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء و الحجابة و السّقاية و النّدوة و النبوّة، ماذا يكون لسائر قريش!.
و الوجه الثاني: أن يكون معنى فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ أي لا يفعلون ذلك بحجّة، و لا يتمكّنون من إبطال ما جئت به ببرهان؛ و إنّما يقتصرون على الدعوى الباطلة؛ و هذا في الاستعمال معروف؛ لأنّ القائل يقول: فلان لا يستطيع أن يكذّبني و لا يدفع قولي؛ و إنّما يريد أنّه لا يتمكّن من إقامة دليل على كذبه، و من حجّة على دفع قوله؛ و إن كان يتمكّن من التكذيب بلسانه و قلبه، فيصير ما يقع من التكذيب من غير حجّة و لا برهان غير معتدّ به.
و روي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام أنّه قرأ هذه الآية بالتخفيف: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ ، و يقول: أنّ المراد بها أنهم لا يأتون بحقّ هو أحقّ من حقك.
[١] سورة البقرة، الآية: ١٤٦.