شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٨ - «الشرح»
..........
التخلية [١] و لمّا كان مقام التخلية مقدّما على مقام التحلية و كان الغرض من هذا الحديث تعليم كيفيّة السلوك إليه سبحانه و كانت العقول البشريّة القاصرة عن إدراك حقيقة و حقيقة صفاته سائرة من هذا العالم المحسوس إليه مع رفاقة الوهم و الخيال و كان الوهم حاكما بمثليّته تعالى لمدركاته من المحسوسات و مشابهته بالمخلوقات اقتصر على ذكر السلب للتنبيه على أنّه يجب على السالك أن يغسل درن الحكم الوهمي في شأنه تعالى عن لوح الخيال فهو أهمّ بهذا الاعتبار.
و إن أردت زيادة توضيح فنقول: لمعرفته تعالى طريقان [٢] الاوّل معرفة الحقّ بالحقّ و معرفة ذاته الحقّة بذاته أو بجميع الصفات الكماليّة الّتي هي نفس ذاته الأحديّة لا بواسطة أمر خارج عنه و حيثيّات مغايرة له، و هذه المعرفة ليست لميّة لتعاليه عن العلّة و لا إنّيّة لعدم حصولها بواسطة المعلول و أيضا المعرفة اللّمّية و الإنّيّة إنّما تحصلان بالنظر و الاستدلال و هذه المعرفة إنّما تحصل بالكشف و الظهور للكمّل من أوليائه كما قال سيّد المرسلين «لي مع اللّه وقت لا يسعه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل» و هي مرتبة الفناء في اللّه [٣] بحيث لا يشاهد فيها غيره فهو معروف بالذّات لا بغيره و كما قال سيّد الوصيين أمير المؤمنين (عليه السلام) «ما رأيت شيئا إلّا و رأيت اللّه قبله» إذ لا شبهة في أنّ هذه الرّوية ليست رؤية ظاهريّة بل هي رؤية قلبيّة و لا في أنّها ليست مستندة
[١] قوله «و يسميه أهل العرفان بمقام التخلية» شبه تنزيه اللّه تعالى عن النقائص بتخلية القلوب و النفوس عن الرذائل و الانهماك فى حب الدنيا. (ش)
[٢] قوله «لمعرفة اللّه طريقان» و الاحسن أن يثلث الطريق كما فعل فى شرح الحديث الاول و أحسن منهما ان لا يحد بعدد كما أشار إليه هناك و قوله «و ليست لمية لتعاليه عن العلة» لان البرهان اللمى هو الاستدلال من العلة على المعلول و لا علة له تعالى و برهان الصديقين الّذي اشار إليه الشارح فيما سبق شبيه باللم عندهم اذ ليس استدلالا من المعلول و ان لم يكن من العلة و هو النظر فى اصل الوجود و الحق ان الكلينى لا يريد من معرفة اللّه باللّه اثبات وجوده به بل تصور ذاته بذاته لا بمشابهة ما سواه. (ش)
[٣] قوله «هى مرتبة الفناء» قلنا فى حواشى الوافى ان الجسم و الجوهر الّذي يجعل جنسا للتعاريف انما حصل فى ذهننا من مقايسة الموجودات بعضها مع بعض و ملاحظة اشتراكها فى معنى عام كالجسمية المشتركة بينها و لا يجوز تعريف ماهيته تعالى بالجسمية و الجوهرية و هذه المعانى المنتزعة من الممكنات اذ يثبت التشبيه. بل يجب فى مقام التعريف ان يقال هو هو و هو ذاته و لا يحكى عنه و لا يشبه شيئا غيره لا مجردا كالروح حتى يقال فى جنسه انه جوهر و لا ماديا كالابدان حتى يقال انه جسم انتهى ما اردنا نقله و بالجملة اذا عرفناه بالجسم و الجوهر و هذه الامور فقد عرفناه بغيره، و ان قلنا انه هو و لا يشبه شيئا فقد عرفنا اللّه باللّه و ليس المقصود اثبات وجوده بوجوده (ش)