شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٨ - «الشرح»
..........
يفعل) فلو علم قبل الخلق أنّه وحده لزم أن لا يكون وحده لما ستعرفه
(فهو اليوم يعلم أنّه لا غيره قبل فعل الأشياء)
(١) أي فهو اليوم بعد خلق الأشياء يعلم أنّه كان واحدا قبل خلق الأشياء، لم يشاركه شيء في الوجود الازلي لأنّ علمه بحدوث الأشياء يستلزم علمه بعدم مشاركة شيء معه في الوجود الأزلي و هذا معنى علمه بوحدته
(فقالوا)
(٢) لا ثبات ما ادّعوه من أنّه لا يعلم في الأزل أنّه وحده، و هذا القول بناء على ما زعموا من أنّ العالم من الصفات الفعليّة الدّالّة على ثبوت صفة زائدة على الموصوف كما في الإنسان أو أنّ علمه بأنّه وحده لا غيره يقتضي وجود ذلك الغير لأنّ تعلّق العلم بلا شيء ممتنع
(إن أثبتنا أنّه لم يزل عالما بأنّه لا غيره فقد أثبتنا معه غيره في أزليّته)
(٣) و ذلك الغير هو العلم الّذي هو فعله تعالى أو المعلوم، و هذا باطل لانّه متفرّد بأزليّة الوجود و لأنّ علمه بأنّه لا غيره يستلزم جهله لثبوت الغير معه
(فإن رأيت يا سيّدي أن تعلّمني ما لا أعدوه إلى غيره؟
فكتب (عليه السلام) ما زال اللّه عالما تبارك و تعالى ذكره)
(٤) أشار (عليه السلام) إلى المذهب الصحيح الّذي لا يجوز لأحد التجاوز عنه و هو أنّه تعالى كان في الأزل عالما بذاته و بأنّه وحده لا غيره [١]، و بالأشياء قبل وجودها كلّيها و جزئيّها، و حقائقها المتميّزة
[١] قوله «كان فى الازل عالما بذاته و بأنه وحده» قد مر سابقا أن اللّه تعالى منزه عن الزمان و ان أوهام الناس لا تقدر على تصور ذلك، و قد تكرر فى أحاديث هذا الباب عدم جواز التغير فى ذاته و عدم جواز الحدوث فى علمه و قد ناسب هنا الاشارة الى بعض اوهام الناس فى الزمان لتوضيح المقام فنقول ان الاوهام العامية تزعم المكان و الزمان شيئين ثابتين لا يتطرق احتمال العدم فيهما أى لا يمكن فرض عدم الفضاء و عدم الوقت حتى يكونا محتاجين الى الايجاد و لو لا أن الموجود عندهم منحصر فى الجسم لحكموا بأن المكان و الزمان واجبا الوجود لكنهم يلتزمون بأمرين متناقضين فيقولون ان الزمان أمر موهوم يعنون ليس موجودا ثم يقولون لا يمكن فرض عدمه و التحقيق أن الزمان الموهوم متصور على وجهين الاول أن لا يكون له منشأ انتزاع مثل وجود ألف سنة فى آن الزوال بين ما قبل الظهر و ما بعده نظير تصور الف فرسخ فى نقطة فى منتصف خط. الثانى أن يكون له منشأ انتزاع بأن يترتب حوادث متلاحقة سابقة و لا حقة فيتصور الذهن من ترتبها شيئا متصلا غير قار الذات فان فرضنا ذات واجب الوجود المنزه عن التغيرات وحده قبل أن يخلق شيئا لم يمكن توهم زمان منتزع من التغير اذ لا تغير فى ذاته تعالى و لا شيء آخر متغير حتى ينتزع الزمان منه و ينطبق على استمرار ذات الواجب تعالى و لا يمكن حينئذ الا توهم زمان لا يكون له منشأ انتزاع مثل توهم الف سنة فى آن واحد، فما يقال انه مضى على ذات واجب الوجود ازمنة غير متناهية من غير أن يكون خلق شيئا و هم فى وهم فيقال لهم هل هذه الازمنة الغير المتناهية امر محقق او امر موهوم فان قالوا أمر محقق ناقضوا انفسهم و أثبتوا قديما مع اللّه تعالى و ان قالوا أمر موهوم قلنا هل هو من الامور الموهومة التى ليس لها منشأ انتزاع فان قالوا نعم سلمنا لهم ذلك و قلنا أنه نظير تصور ألف سنة فى آن الزوال و لا فائدة فى البحث عنه، و ان قالوا لا بل هو امر موهوم من منشأ انتزاع متغير قلنا ما هذا المتغير الّذي ينتزع منه الزمان قبل خلقة الخلائق؟ ان كان هو اللّه تعالى اللّه عن التغير و ان كان غيره لم يكن غيره بحسب الفرض موجودا بعد فليس بين اللّه تعالى و اوّل المخلوقات الصادر عنه زمان البته الا ما هو موهوم بغير منشأ الانتزاع كما يمكن توهم زمان غير متناه بغير منشأ الانتزاع بين حركة اليد و حركة المفتاح و بالجملة فالزمان مخلوق و لم يكن قبل ان يخلق اللّه الاشياء زمان أصلا، و ربما التزم بعضهم بامكان انتزاع الزمان من الشيء الثابت المستمر كوجود اللّه تعالى و هذا يرجع الى انكار ما تواتر من الاحاديث فى نفى الزمان عنه تعالى و ما هو مرتكز فى الاذهان من أن الزمان متغير و لا ينتزع الا من متغير و قد اصر القاضى سعيد القمى (رحمه اللّه) فى شرح التوحيد على دفع هذا الوهم بل حكم بكفر من يقول بانتزاع الزمان من ذاته تعالى فقط، و قد قلنا سابقا أنا لا نحكم بكفر من يعتقد شيئا يستلزم الكفر لزوما غير بين و هذه المسائل الدقيقة ليست مما يوجب اثباتها أو نفيها كفرا و تكليف الناس جميعا بادراك الحق فى هذه المسائل تكليف بما لا يطاق و لا ينافى ذلك اثبات تناهى الحوادث ببرهان التطبيق على ما ثبت فى محله. (ش)