شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٥ - «الشرح»
..........
و الأوّل هو المانع من انكشاف نور العظمة على الخلق على وجه الكمال و إلّا لانهدموا و احترقوا و قد تجلّى نور العظمة من ذلك الحجاب على الجبل فجعله دكّا و خرّ موسى صعقا، و الظاهر أنّ هذا الحجاب هو الّذي كان بين نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله) و بين اللّه تعالى في المعراج و قد كان قاب قوسين أو أدنى كما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان بينهما حجاب يتلألأ فينظر مثل سمّ الإبرة إلى ما شاء اللّه من نور العظمة [١]» الحديث طويل أخذنا بعضه، ثمّ هذا الّذي ذكرناه على سبيل الاحتمال دون الجزم [٢] و لا يعلم أمثال هذه الأسرار إلّا هو و وليّه و أنا أستغفر اللّه ممّا
[١] الكافى كتاب الحجة باب مولد النبي (ص) تحت رقم ١٣.
[٢] قوله «على سبيل الاحتمال دون الجزم» القدر المسلم أنا نعلم تقسيم الوجود الى عالمين عالم الاجسام و عالم المجردات و نعلم أن عالم الاجسام مشتمل على موجودات لا تحصى مرتبة فى العظم و الصغر و الكمال و النقص و لا بد أن يكون عالم المجردات أيضا كذلك و هو منقسم عندنا الى العقل و النفس لان المجرد اما أن يتعلق بجسم فى الجملة و هو النفس او لا يتعلق و هو العقل و لا واسطة بين النفى و الاثبات و النفس لها مراتب عديدة لا تحصى من النفس النباتية و الحيوانية بمراتبها كالخراطين الى النفوس الكاملة الانسانية و ان اردنا قياسها فى النقص و الكمال و القوة و الضعف بالاشياء المقدرة للتقريب الى الاذهان قلنا نسبة نفس الخراطين الى نفس أبى على بن سينا و ادراكها الى ادراكه كحلقة فى فلاة، و لا يبعد عقلا أن يكون مراتب العقول المجردة أيضا كذلك و يكون نسبة موجود عاقل الى عاقل آخر كحلقة فى فلاة و يكون عالم العقول مشتملا على مراتب لا تحصى منها و لا عبرة بما هو المشهور من حصر العقول فى العشرة اذ لم يقصد القائلون به الحصر و لا اقيم عليه دليل و قد ورد فى الشرع من طبقات الملائكة و مراتبهم ما ورد، ثم ان استعارة لفظ النور للعقل و الادراك من أحسن الاستعارات فان الظلمة سبب الخفاء و الجهل و النور سبب الدرك و العلم فيستعار لعالم العقلاء عالم الانوار و لعالم المواد عالم الظلمات و هذا كله صحيح معلوم اما أن المراد بالكرسى وعاء العالم أو الفلك الثامن أو النفس المتعلقة به أو العقل و أمثال ذلك فاحتمال لا يمكن لنا القطع عليه بل نعلم ان هذه الالفاظ تعبير عن مراتب الوجود فى الجملة و قد ذكر صدر المتألهين ((قدس سره)) تأويلا نقله صاحب الوافى بتصرف فى الجملة و نقله المجلسى فى مرآة العقول و هو تطبيق الكرسى على الصدر و العرش على القلب و الحجاب و الستر على الروح و السر و هذه الاربعة هى النفس الحيوانية و الناطقة و العقل النظرى و العقل الفعال فان الكرسى صدر الانسان الكبير و العرش قلبه و ليس لما بعدهما أعنى الحجاب و الستر مظهر فى هذا العالم. و كلام الشارح يؤيد ما سبق منا مرارا أن بيان الامور الدقيقة و ذكر اصطلاحات اصحاب الفنون و تحقيقات الفلاسفة يجب أن يخصص بالعلماء دون عامة الناس اذ لكل شيء فى اذهانهم لوازم باطلة تتبادر إليها و قد يوجب ضلالهم فراجع الصفحة ١٠٤ من المجلد الثاني. (ش)