شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٣ - «الشرح»
..........
كتبت إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) أسأله عن الرّؤية و ما ترويه العامّة)
(١) من جواز رؤيته في الآخرة
(و الخاصّة)
(٢) من عدم جوازها
(و سألته أن يشرح لي ذلك)
(٣) أي يوضح الي عدم جوازها بالبرهان و البرهان الّذي ذكره (عليه السلام) يتّضح بعد تمهيد مقدّمات [١] كلّها ضروريّة الاولى أنّ الشيء الواحد له حقيقة واحدة و لا يجوز
[١] قوله «بعد تمهيد مقدمات» ان اللّه تعالى خلق لادراك كل شيء قوة و آلة تختص به فللصوت السمع و للارواح الشم و للون و الضوء الباصرة و لغير المحسوس العقل و الانسان مجبول على تميز المدركات باختلاف الادراك و أضرب مثالا يتضح لك الامر ان شاء اللّه مثلا كلمة جمل بالضم قد يكون علما لامرأة و قد يكون جمع جملة، فان قلت رأيت جملا ما أجملها حمله السامع على المرأة لمكان رأيت و ان قلت سمعت جملا ما أجملها حمله على الكلام لمكان سمعت حيث ان المرئى جسم و المسموع صوت فالشيء القابل للرؤية غير الشيء القابل للسمع و كذلك سائر الحواس و المدارك و اللّه تعالى ان كان من شأنه أن يدرك بالبصر فهو غير الّذي ليس من شأنه ذلك و لا شك أن اللّه تعالى الّذي آمنا به فى الدنيا و عبدناه ليس شيئا من شأنه أن يدرك بالبصر فى الدنيا باتفاق من المسلمين إلا جماعة من المجسمة و مذهبهم مردود باتفاق اهل التحقيق و لا شك أيضا أنه تعالى فى الآخرة هو الّذي كنا عبدناه فى الدنيا و لو كان شيئا من شأنه أن يدرك بالبصر فى الآخرة كان غير الّذي من شأنه ان لا يدرك به فى الدنيا كما أن المسموع فى مثالنا غير المرئى و يغلط من حمل أحدهما على الاخر و لا يمكن التغير فى ذاته تعالى بأن يكون فى الدنيا غير قابل لان يدرك بالبصر لكونه مجردا، ثم يتغير و يصير فى الآخرة جسما كثيفا ملونا يليق بأن يبصر و لا يمكن التغير فى باصرة الانسان أيضا بأن يصير قابلا لان يبصر غير الضوء و اللون فى نشأة من النشآت فان قيل لا نسلم هذا الاخير فلعل القوة الباصرة تصير أقوى فى الآخرة بحيث يرى ما لم يكن يرى كما فى المنظار و الآلات المكبرة و التلسكوبات فى عصرنا، قلنا القوة الباصرة كلما قويت لم تقدر على رؤية غير الضوء و اللون و لا يمكن أن يرى الاصوات و الطعوم بل يرى اللون و الضوء فقط و لو بالآلات المكبرة و قد روى الصدوق (ره) فى الامالى عن اسماعيل بن الفضل قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن اللّه تبارك و تعالى هل يرى فى المعاد؟
فقال: سبحان اللّه و تعالى عن ذلك علوا كبيرا يا ابن الفضل ان الابصار لا تدرك الا ما له لون و كيفية و اللّه تعالى خالق اللون و الكيفية» أقول: الكيفية هنا الشكل نعم يجوز أن يقوى مدارك المؤمن فى الآخرة بحيث يكشف لديه بغير الابصار الخفيات من الامور و لكن لا يسمى ذلك ابصارا اذ ليس فيه حقيقة معنى الابصار و هو تأثر الباصرة بالنور الساطع من الجسم المرئى بآلة أو غير آلة و أقرب الامور الى الابصار الرؤيا بالحس المشترك ما ينعكس فيه من الخيال كما فى القطر النازل و الشعلة الجوالة و ما يراه المبرسمون و هو أيضا لا يجور عليه تعالى لعدم كونه صورة تنطبع فى الخيال.
و بالجملة خلق اللّه تعالى لادراك كل شيء قوة أو جارحة فالمعقول يدرك بالعقل و الضوء بالبصر و الصوت بالسمع و هكذا و لا يطلق الابصار على ادراك الصوت كلما وضح و كذلك على ادراك المعقول بطريق اولى (ش).