شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٢ - «الشرح»
..........
المخلوقين المصنوعين الّذين لا يستحقّون الرّبوبيّة)
(١) و هذا باطل لامتناع أن يكون صانع جميع المصنوعات مصنوعا مثلهم مشاركا لهم في ذاتهم و صفاتهم التابعة لحدوثهم و إمكانهم، و قد ثبت من هاتين المقدّمتين أنّه يجب الاعتقاد بأنّه موجود مبدأ لذوات جميع الموجودات و صفاتهم و أنّ ذاته و وجوده و صفاته ليس كذوات سائر الموجودات و وجوداتهم و صفاتهم و أنّ كلّ ماله من صفات الكمال أرفع و أجلّ من أن يدركه العقول أو يناله الأوهام أو يحيط به الأفهام و إليه أشار بقوله
(و لكن لا بدّ من إثبات أنّ له كيفيّة لا يستحقّها غيره و لا يشارك فيها و لا يحاط بها و لا يعلمها غيره)
(٢) لم يرد بكيفيّته المعنى المعروف لغة و عرفا و هي الهيئة الحاصلة للشيء باعتبار اتّصافه بالصفات التابعة للحدوث الموجبة لتغيّر موصوفاتها و تأثّر موضوعاتها فإنّ هذا المعنى محال في شأن الواجب بالذّات بل أراد بها ما ينبغي له من الصفات الذّاتيّة و الفعليّة و السلبيّة المخصوصة به سبحانه بحيث لا يستحقّها و غيره لا على سبيل الانفراد و لا على سبيل الاشتراك، و لا تكون خارجة عن ذاته و لا يحاط ذاته بها و لا يعلم حقيقتها غيره و إطلاق لفظ الكيفيّة عليها على سبيل التوسّع و التجوّز لتعاليه عمّا يتبادر إلى الأذهان من إطلاق هذا اللّفظ و غيره من الألفاظ المشتركة مثل الذّات و الموجود و العالم و القادر و السميع و البصير فوجب علينا أن نحملها عند إطلاقها عليه على المعنى اللائق به و نعتقد أنّ ذاته و وجوده و علمه و قدرته و سمعه و بصره ليست مثل ذاتنا و وجودنا و علمنا و قدرتنا و سمعنا و بصرنا و أنّ المراد منها في شأنه ما هو أشرف و أعلى ممّا يصل إلى عقولنا و أنّ الاشتراك ليس إلّا بمجرّد الاسم فقط من غير مشاركة في المعنى بوجه من الوجوه و لمّا أثبت (عليه السلام) أنّه صانع و غيره مصنوع توهّم السائل أنّ فعله في الصنع كفعلنا في الاحتياج إلى الحركة و المباشرة و تحريك الآلات فلذا
(قال السائل: فيعاني الأشياء بنفسه؟)
(٣) [١] أي يلامسها و يباشر خلقها بنفسه و يتعب في إيجادها باستعمال
[١] قوله «فيعانى الاشياء» ليس تصور كيفية صدور المعلول عن العلة عند الماديين اسهل من تصور أصل العلة لان المعهود عندهم فى الفواعل أن يباشروا التحريك و الضم و التفريق كالنجار و البناء و المباشرة لا يتصور الا ان يكون الفاعل جسما كالمنفعل، و المعقول عندهم من الفاعل غير المباشر أن يأمر عبيده و خدمه و عماله و الماديون المتدينون أعنى المجسمة و الحشوية أيضا لا يعقلون غير ذلك فيتصورون خالق العالم جسما فى السماء يحوطه خدمه و عماله و هم الملائكة و هم أجسام أيضا ينفذون أو امر اللّه تعالى كعمال السلطان و ينكر ذلك المادى الملحد، و ظن السائل أنه يمكن افحام الامام (ع) بهذا السؤال كما كان أفحم غيره من محدثى العامة و حشويتهم. فأجاب (ع) بانه تعالى لا يحتاج الى المعاناة و المعالجة كما يحتاج إليه صناع الانس اذ لا يطيع الموجودات أحدا بصرف ارادته و لا يمكن ان يوجد البانى بيتا بالنية فيتوسل بالتصرف و المعالجة و لكن اللّه تعالى يوجد كل شيء بالمشيئة و لا يحتاج الى شيء آخر و أما الملائكة و ساير الوسائط كالطبائع و القوى و النور و المطر و الشمس و الريح و الادوية و غير ذلك فليس لعجز واجب الوجود جلت قدرته و استعانته بهم بل لنقصان بعض الممكنات عن قبول الفيض بلا واسطة و لا يليق بكونه اوّل ما خلق اللّه الا أشرف الموجودات و هو الانسان الكامل و ساير الاشياء وجدت بواسطته و قلنا: ان صدور المخلوق عن الخالق تعالى لا يقاس باى شيء مما نراه فان مثلناه بالبانى و البيت توهم منه استغناء المخلوق عنه فى البقاء. و ان مثلناه بالنور و الشمس توهم منه كونه تعالى فاعلا مضطرا غير عالم بما يفعل و كونه بعيدا غير حاضر، و ان مثلناه بالبحر و ظهوره فى امواجه توهم منه الحلول و ان كان حسنا من جهة بيان عدم استقلال المخلوق فى وجوده و فى قربه من معلوله و حضوره معه، و أما الزنديق السائل فكان معتقدا للنور و الظلمة و تكون الاشياء بامتزاجهما و هذا معنى معقول للماديين كما أن النور و الظلمة ماهيتان معقولتان لهم و لو مثل لهم بفعل النفس فى البدن أو فى الافكار و المتخيلات كان أقرب الى ذهنهم لان النفس معنى معقول لهم فى الجملة، فيخترع كالمهندس صورا و يوجدها فى ذهنه بحيث تنعدم و تنمحى اذا قطع توجهه إليها باختياره. (ش)