تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٩ - ذكر خبر جرجيس
الزرع، و اينع و حصد، ثم داس و ذرى، و طحن و عجن، و خبز و اكل ذلك في ساعه واحده كما ترون! قال له الملك: هل تقدر على ان تمسخه لي دابه؟ قال الساحر: اى دابه امسخه لك؟ قال: كلبا، قال: ادع لي بقدح من ماء، فلما اتى بالقدح نفث فيه الساحر، ثم قال للملك: اعزم عليه ان يشربه، فشربه جرجيس حتى اتى على آخره، فلما فرغ منه قال له الساحر: ما ذا تجد؟ قال: ما أجد الا خيرا، قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب، فقوانى به عليكم فلما قال له ذلك اقبل الساحر على الملك فقال: اعلم ايها الملك، انك لو كنت تقاسى رجلا مثلك إذا كنت غلبته، و لكنك تقاسى جبار السموات، و هو الملك الذى لا يرام! و قد كانت امراه مسكينه، سمعت بجرجيس و ما يصنع من الأعاجيب، فاتته و هو في أشد ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس، انى امراه مسكينه، لم يكن لي مال و لا عيش الا ثور كنت احرث عليه فمات، و جئتك لترحمني و تدعو الله ان يحيى لي ثوري فذرفت عيناه ثم دعا الله ان يحيى لها ثورها، و أعطاها عصا، فقال: اذهبى الى ثورك، فاقرعيه بهذه العصا و قولي له: احى باذن الله فقالت: يا جرجيس مات ثوري منذ ايام، و تفرقته السباع، و بيني و بينك ايام، فقال: لو لم تجدى منه الا سنا واحده ثم قرعتها بالعصا لقام باذن الله فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، فكان أول شيء بدا لها من ثورها احد روقيه و شعر ذنبه، فجمعت أحدهما الى الآخر، ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها، و قالت كما امرها، فعاش ثورها، و عملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك.
فلما قال الساحر للملك ما قال، قال رجل من اصحاب الملك- و كان اعظمهم بعد الملك: اسمعوا منى ايها القوم احدثكم، قالوا: نعم، فتكلم، قال: انكم قد وضعتم امر هذا الرجل على السحر، و زعمتم انه سحر ايديكم عنه و اعينكم فاراكم انكم تعذبونه، و لم يصل اليه عذابكم! و أراكم انكم