تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٢٥ - ذكر بقية خبر تبع ايام قباذ و زمن انوشروان و توجيه الفرس الجيش الى اليمن لقتال الحبشه و سبب توجيهه إياهم إليها
ثاره ممن بغى عليه و على اهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشى صاحب الحبشه بعث معه سبعين ألفا من الحبشه و امر عليهم رجلا منهم من اهل الحبشه، يقال له ارياط، و عهد اليه: ان أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، و اخرب ثلث بلادهم، و اسب ثلث نسائهم و ابنائهم.
فخرج ارياط و معه جنوده، و في جنوده أبرهة الاشرم، فركب البحر و معه دوس ذو ثعلبان، حتى نزلوا بساحل اليمن، و سمع بهم ذو نواس فجمع اليه حمير و من أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا اليه على اختلاف و تفرق، لانقطاع المده و حلول البلاء و النقمه، فلم يكن له حرب غير انه ناوش ذو نواس شيئا من قتال، ثم انهزموا، و دخلها ارياط بجموعه، فلما راى ذو نواس ما راى مما نزل به و بقومه وجه فرسه الى البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر، حتى افضى به الى غمره، فاقحمه فيه، فكان آخر العهد به.
و وطيء ارياط اليمن بالحبشه، فقتل ثلث رجالها، و اخرب ثلث بلادها، و بعث الى النجاشى بثلث سباياها ثم اقام بها، قد ضبطها و أذلها، فقال قائل من اهل اليمن، و هو يذكر ما ساق اليهم دوس ذو ثعلبان من امر الحبشه، فقال:
لا كدوس و لا كاعلاق رحله يعنى ما ساق اليهم من الحبشه، فهى مثل باليمن الى اليوم.
و قال ذو جدن الحميرى و هو يذكر حمير، و ما دخل عليها من الذل بعد العز الذى كانوا فيه، و ما هدم من حصون اليمن، و كان ارياط قد اخرب مع ما اخرب من ارض اليمن سلحين و بينون و غمدان، حصونا لم يكن في الناس مثلها، فقال:
هونك ليس يرد الدمع ما فاتا* * * لا تهلكى أسفا في ذكر من ماتا
ابعد بينون لا عين و لا اثر* * * و بعد سلحين يبنى الناس أبياتا!
و قال ذو جدن الحميرى في ذلك:
دعينى لا ابالك لن تطيقى* * * لحاك الله قد انزفت ريقى