تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٢ - ذكر خبر جرجيس
فلما نظر الى ذلك الملك و صحابته، قالوا: لم يبق من اصناف عذابكم شيء الا قد عذبتموه، الا الجوع و العطش، فعذبوه بهما فعمدوا الى بيت عجوز كبيره فقيره، كان حريزا، و كان لها ابن اعمى ابكم مقعد، فحصروه في بيتها فلا يصل اليه من عند احد طعام و لا شراب فلما بلغه الجوع، قال للعجوز: هل عندك طعام او شراب؟ قالت: لا و الذى يحلف به، ما عهدنا بالطعام منذ كذا و كذا،، و ساخرج و التمس لك شيئا قال لها جرجيس: هل تعرفين الله؟ قالت له: نعم، قال: فإياه تعبدين؟ قالت:
لا، قال: فدعاها الى الله فصدقته، و انطلقت تطلب له شيئا، و في بيتها دعامه من خشبة يابسه تحمل خشب البيت، فاقبل على الدعاء، فما كان كشيء حتى اخضرت تلك الدعامه، فانبتت كل فاكهة تؤكل او تعرف، او تسمى حتى كان فيما انبتت اللياء و اللوبياء.
قال ابو جعفر: اللياء نبت بالشام له حب يؤكل و ظهر للدعامه فرع من فوق البيت اظله و ما حوله و اقبلت العجوز، و هو فيما شاء يأكل رغدا، فلما رات الذى حدث في بيتها من بعدها، قالت: آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع، فادع هذا الرب العظيم ليشفى ابنى، قال: ادنيه منى، فادنته منه، فبصق في عينيه فابصر، فنفث في أذنيه فسمع، قالت له: اطلق لسانه و رجليه، رحمك الله! قال: اخريه، فان له يوما عظيما و خرج الملك يسير في مدينته، فلما نظر الى الشجرة، قال لأصحابه: انى ارى شجره بمكان ما كنت اعرفها به، قالوا له: تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذى اردت ان تعذبه بالجوع، فهو فيما شاء قد شبع منها، و شبعت الفقيره و شفى لها ابنها فامر بالبيت فهدم، و بالشجرة لتقطع، فلما هموا بقطعها ايبسها الله تعالى كما كانت أول مره، فتركوها، و امر بجرجيس فبطح على