تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٤٣ - ذكر بقية خبر تبع ايام قباذ و زمن انوشروان و توجيه الفرس الجيش الى اليمن لقتال الحبشه و سبب توجيهه إياهم إليها
فذكر له شرف ذي يزن و حاله، و استاذن له، فدخل فأوسع له عمرو، فلما راى ذلك كسرى علم ان عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه الا لشرفه، فاقبل عليه، فالطفه و احسن مسألته، و قال له: ما الأمر الذى نزع بك؟ قال: ايها الملك، ان السودان قد غلبونا على بلادنا، و ركبوا منا أمورا شنيعة، اجل الملك عن ذكرها، فلو ان الملك تناولنا بنصره من غير ان نستنصره، لكان حقيقا بذلك لفضله و كرمه و تقدمه لسائر الملوك فكيف و قد نزعنا اليه، مؤملين له، راجين ان يقصم الله عدونا و ينصرنا عليهم، و ينتقم لنا به منهم! فان راى الملك ان يصدق ظننا، و يحقق رجاءنا، و يوجه معى جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها الى ملكه- فإنها من اخصب البلدان و أكثرها خيرا، و ليست كما يلى الملك من بلاد العرب- فعل.
قال: قد علمت ان بلادكم كما وصفت، فأي السودان غلبوا عليها؟
الحبشه أم السند؟ قال: بل الحبشه، قال انوشروان: انى لاحب ان اصدق ظنك، و ان تنصرف بحاجتك، و لكن المسلك للجيش الى بلادك صعب، و اكره ان اغرره بجندي، و لي فيما سالت نظر، و أنت على ما تحب.
و امر بانزاله و إكرامه، فلم يزل مقيما عنده حتى هلك و قد كان ابو مره قال قصيده بالحميريه يمتدح فيها كسرى، فلما ترجمت له، اعجب بها.
و ولدت ريحانه ابنه ذي جدن لأبرهة الاشرم غلاما، فسماه مسروقا، و نشا معديكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانه في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة، فقال له: لعنك الله، و لعن اباك! و كان معديكرب لا يحسب الا ان الاشرم أبوه، فاتى أمه فقال لها: من ابى؟ قالت: الاشرم، قال: لا و الله، ما هو ابى، و لو كان ابى ما سبني فلان، فاخبرته ان أباه ابو مره الفياض، و اقتصت عليه خبره، فوقع ذلك في نفس الغلام، و لبث بعد ذلك لبثا