تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٢٥ - ذكر ملك شيرويه بن ابرويز
عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل، و الأمر بهدم محبسهم، و متى تخل عنهم تأثم بالله ربك، و تسيء الى نفسك، و تخل بدينك و ما فيه من الوصايا و السنن التي فيها صرف الرحمه و العفو عن المستوجبين للقتل، مع ان أعداء الملوك لا يحبون الملك ابدا، و العاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة و قد وعظ الحكماء و قالوا: لا تؤخرن معاقبه المستوجبى العقوبة، فان في تأخيرها مدفعه للعدل، و مضره على المملكة في حال التدبير، و لئن نالك بعض السرور ان أنت خليت عن أولئك الدعار المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك، و دخول اعظم المضرة و البليه على اهل الملة.
و اما قولك: انا انما كسبنا و جمعنا و ادخرنا الأموال و الأمتعة و البزور و غيرها من بلاد مملكتنا باعنف اجتباء، و أشد الحاح على رعيتنا، و أشد ظلم، لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم و القهر، عن غلبه منا إياهم على ما في ايديهم، فمن جوابنا فيه ان من اصابه الجواب في كل كلام يتكلم بجهل و عنجهيه ترك الجواب فيه، و لكن لم ندع- إذ صار ترك الجواب كالاقرار، و طافت حجتنا فيما غشينا ان نحتج به، قوية، و عذرنا واضحا- شرح ما سالتنا عنه من ذلك.
اعلم ايها الجاهل، انه انما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال و الجنود و بخاصه ملك فارس، الذى قد اكتنفت بلاده أعداء فاغره أفواههم لالتقام ما في يديه، و ليس يقدر على كفهم عنها، و ردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه، الا بالجنود الكثيفه، و الأسلحة و العدد الكثيره، و لا سبيل له الى الكثيف من الجنود و الكثير مما يحتاج اليه الا بكثرة الأموال و وفورها، و لا يستكثر من الأموال و لا يقدر على جمعها لحاجه ان عرضت له إليها الا بالجد و التشمير في اجتباء هذا الخراج و ما نحن ابتدعنا جمع الأموال، بل اقتدينا في ذلك بآبائنا و الماضين من أسلافنا، فإنهم جمعوها كجمعنا إياها،