تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٠٩ - ذكر بقية خبر تبع ايام قباذ و زمن انوشروان و توجيه الفرس الجيش الى اليمن لقتال الحبشه و سبب توجيهه إياهم إليها
أعناقهما تعرق جباههما، لم تضرهما، فاصفقت حمير عند ذلك على دينه، فمن هناك و عن ذلك كان اصل اليهودية باليمن حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن بعض اصحابه ان الحبرين و من خرج معهما من حمير، انما اتبعوا النار ليردوها، و قالوا: من ردها فهو اولى بالحق، فدنا منها رجال من حمير باوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتاكلهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردها، و دنا منها الحبران بعد ذلك، و جعلا يتلوان التوراة و تنكص، حتى رداها الى مخرجها الذى خرجت منه، فاصفقت عند ذلك حمير على دينهما، و كان رئام بيتا لهم يعظمونه و ينحرون عنده و يكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: انما هو شيطان يفتنهم و يلعب بهم، فخل بيننا و بينه، قال: فشأنكما به، فاستخرجا منه- فيما يزعم اهل اليمن- كلبا اسود، فذبحاه و هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن- كما ذكر لي- و هو رئام به آثار الدماء التي كانت تهراق عليه.
فقال تبع في مسيره ذلك و ما كان هم به من امر المدينة و شان البيت و ما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، و ما صنع بالبيت حين قدم مكة من كسوته تطهيره و ما ذكر له الحبران من امر رسول الله (ص):
ما بال نومك مثل نوم الارمد* * * ارقا كأنك لا تزال تسهد
حنقا على سبطين حلا يثربا* * * اولى لهم بعقاب يوم مفسد!
و لقد نزلت من المدينة منزلا* * * طاب المبيت به و طاب المرقد
و جعلت عرصة منزل برباوه* * * بين العقيق الى بقيع الغرقد
و لقد تركنا لابها و قرارها* * * و سباخها فرشت بقاع اجرد
و لقد هبطنا يثربا و صدورنا* * * تغلى بلابلها بقتل محصد