تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٣٣ - ذكر بقية خبر تبع ايام قباذ و زمن انوشروان و توجيه الفرس الجيش الى اليمن لقتال الحبشه و سبب توجيهه إياهم إليها
على خيل له حتى انتهى الى مكة، فساق اليه اموال اهل مكة من قريش و غيرهم، و أصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، و هو يومئذ كبير قريش و سيدها، فهمت قريش و كنانه و هذيل و من كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا انه لا طاقه لهم به، فتركوا ذلك، و بعث أبرهة حناطه الحميرى الى مكة، و قال له: سل عن سيد هذا البلد و شريفهم، ثم قل له:
ان الملك يقول لكم: انى لم آت لحربكم، انما جئت لهدم البيت، فان لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجه لي بدمائكم، فان لم يرد حربى فاتنى به.
فلما دخل حناطه مكة سال عن سيد قريش و شريفها، فقيل له: عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى، فجاءه فقال له ما امره به أبرهة فقال له عبد المطلب: و الله ما نريد حربه، و ما لنا بذلك من طاقه، هذا بيت الله الحرام، و بيت خليله ابراهيم- او كما قال- فان يمنعه فهو بيته و حرمه، و ان يخل بينه و بينه، فو الله ما عندنا من دفع عنه- او كما قال له- فقال له حناطه: فانطلق الى الملك، فانه قد أمرني ان آتيه بك- فانطلق معه عبد المطلب، و معه بعض بنيه، حتى اتى العسكر فسال عن ذي نفر- و كان له صديقا- حتى دل عليه، و هو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: و ما غناء رجل اسير بيدي ملك ينتظر ان يقتله غدوا او عشيا! ما عندي غناء في شيء مما نزل بك الا ان أنيسا سائس الفيل لي صديق، فسارسل اليه فاوصيه بك، و اعظم عليه حقك، و اساله ان يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد، و يشفع لك عنده بخير، ان قدر على ذلك قال: حسبي.
فبعث ذو نفر الى انيس، فجاء به، فقال: يا انيس، ان عبد المطلب سيد قريش و صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، و الوحوش في رءوس الجبال، و قد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه، و انفعه عنده بما استطعت.
قال: افعل، فكلم انيس أبرهة فقال: ايها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، و هو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، و الوحوش في رءوس الجبال، فاذن له عليك، فيكلمك بحاجته و احسن اليه قال: فاذن له