تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٦ - ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد أردشير بن بابك
فاخرجوا الى حجره الإيوان، فأعطوا صوالجه، فلعبوا بالكره و هو في الإيوان على سريره، فدخلت الكره في الإيوان الذى هو فيه، فكاع الغلمان جميعا ان يدخلوا الإيوان، و اقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه، و اقدامه و جراته مع ما كان من قبول نفسه له أول مره حين رآه، و رقته عليه دون اصحابه انه ابنه فقال له أردشير بالفارسيه:
ما اسمك؟ فقال الغلام: شاه بور، فقال: أردشير: شاه بور! فلما ثبت عنده انه ابنه شهر امره، و عقد له التاج من بعده.
و كان سابور قد ابتلى منه اهل فارس- قبل ان يفضى اليه الملك في حياه ابيه- عقلا و فضلا و علما، مع شده بطش، و بلاغه منطق، و رافه بالرعية و رقه فلما عقد التاج على راسه، اجتمع اليه العظماء، فدعوا له بطول البقاء، و اطنبوا في ذكر والده و ذكر فضائله، فاعلمهم انهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده، و وعدهم خيرا.
ثم امر بما كان في الخزائن من الأموال، فوسع بها على الناس، و قسمها فيمن رآه لها موضعا، من الوجوه و الجنود و اهل الحاجة، و كتب الى عماله بالكور و النواحي ان يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في ايديهم، فوصل من فضله و إحسانه الى القريب و البعيد، و الشريف و الوضيع، و الخاص و العام ما عمهم و رفغت معايشهم ثم تخير لهم العمال، و اشرف عليهم و على الرعية اشرافا شديدا، فبان فضل سيرته، و بعد صوته، و فاق جميع الملوك.
و قيل: انه سار الى مدينه نصيبين، لإحدى عشره سنه مضت من ملكه، و فيها جنود من جنود الروم، فحاصرهم حينا، ثم أتاه عن ناحيه من خراسان ما احتاج الى مشاهدته، فشخص إليها حتى احكم امرها، ثم رجع الى نصيبين و زعموا ان سور المدينة تصدع و انفرجت له فرجه دخل منها،