تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٤٦ - ذكر بقية خبر تبع ايام قباذ و زمن انوشروان و توجيه الفرس الجيش الى اليمن لقتال الحبشه و سبب توجيهه إياهم إليها
ذلك اليهم، و اما ما القيت من زادكم في البحر، فانى كرهت ان يطمع احد منكم ان يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا، فان كنتم قوما تقاتلون معى و تصبرون اعلمتمونى ذلك، و ان كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري، فانى لم أكن لأمكنهم من نفسي ابدا فانظروا ما تكون حالكم، إذا كنت رئيسكم و فعلت هذا بنفسي! فقالوا: لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا، او نظفر.
فلما كان صبح اليوم الذى انقضى فيه الأجل عبى اصحابه، و جعل البحر خلفه، و اقبل عليهم يحضهم على الصبر، و يعلمهم انهم منه بين خلتين، اما ظفروا بعدوهم، و اما ماتوا كراما، و امرهم ان تكون قسيهم موتره، و قال:
إذا امرتكم ان ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان- و لم يكن اهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك- و اقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على راسه تاج، بين عينيه ياقوته حمراء مثل البيضه، لا يرى ان دون الظفر شيئا.
و كان وهرز قد كل بصره فقال: أروني عظيمهم، فقالوا: هو صاحب الفيل، ثم لم يلبث مسروق ان نزل فركب فرسا، فقالوا: قد ركب فرسا، فقال: ارفعوا لي حاجبي، و قد كانا سقطا على عينيه من الكبر، فرفعوهما بعصابة، ثم اخرج نشابه، فوضعها في كبد قوسه، و قال: أشيروا لي الى مسروق، فأشاروا له اليه حتى اثبته، ثم قال لهم: ارموا، فرموا، و نزع في قوسه حتى إذا ملاها سرح النشابة، فاقبلت كأنها رشاء، حتى صكت جبهه مسروق، فسقط عن دابته، و قتل في ذلك الرشق منهم جماعه كثيره، و انفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعا، فلم يكن دون الهزيمة شيء، و امر وهرز بجثه ابنه من ساعته فووريت، و امر بجثه مسروق، فالقيت مكانها، و غنم من عسكرهم ما لا يحصى و لا يعد كثره، و جعل الأسوار يأخذ من الحبشه و من حمير و الاعراب الخمسين و الستين فيسوقهم مكتفين، لا يمتنعون منه