تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٣ - ذكر خبر جرجيس
وجهه و اوتد له اربعه أوتاد، و امر بعجل فاوقر اسطوانا ما حمل، و جعل في اسفل العجل خناجر و شفارا، ثم دعا بأربعين ثورا، فنهضت بالعجل نهضه واحده، و جرجيس تحتها، فتقطع ثلاث قطع، ثم امر بقطعه فاحرقت بالنار، حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرماد رجالا فذروه في البحر، فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء يقول: يا بحر، ان الله يأمرك ان تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب، فانى اريد ان اعيده كما كان ثم ارسل الله الرياح فاخرجته من البحر، ثم جمعته حتى عاد الرماد صبره كهيئته قبل ان يذروه، و الذين ذروه قيام لم يبرحوا ثم نظروا الى الرماد يثور كما كان، حتى خرج منه جرجيس مغبرا ينفض راسه، فرجعوا، و رجع جرجيس معهم، فلما انتهوا الى الملك اخبروه خبر الصوت الذى احياه، و الريح التي جمعته فقال له الملك: هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي و لك! فلو لا ان يقول الناس انك قهرتنى و غلبتني لاتبعتك و آمنت بك، و لكن اسجد لأفلُّون سجده واحده، او اذبح له شاه واحده، ثم انا افعل ما يسرك.
فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع ان يهلك الصنم حين يدخله عليه، رجاء ان يؤمن له الملك حين يهلك صنمه، و ييئس منه، فخدعه جرجيس، فقال: نعم، إذا شئت فأدخلني على صنمك اسجد له، و اذبح له، ففرح الملك بقوله، فقام اليه فقبل يديه و رجليه و راسه، و قال: انى اعزم عليك الا تظل هذا اليوم، و لا تبيت هذه الليلة الا في بيتى و على فراشي، و مع اهلى حتى تستريح و يذهب عنك وصب العذاب، فيرى الناس كرامتك على.
فاخلى له بيته، و اخرج منه من كان فيه فظل فيه جرجيس، حتى إذا ادركه الليل، قام يصلى، و يقرا الزبور- و كان احسن الناس صوتا- فلما سمعته امراه الملك استجابت له، و لم يشعر الا و هي خلفه تبكى معه، فدعاها