تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٧ - ذكر ملك يزدجرد الأثيم
فاتهمه من بعد حرس و حقبه* * * و قد هره اهل المشارق و الغرب
و ظن سنمار به كل حبره* * * و فاز لديه بالمودة و القرب
فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه* * * فهذا لعمر الله من اعجب الخطب
و ما كان لي عند ابن جفنه فاعلموا* * * من الذنب ما آلى يمينا على كلب
ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم* * * تحلل أبيت اللعن من قولك المزبى
و دون الذى منى ابن جفنه نفسه* * * رجال يردون الظلوم عن الشعب
و قد رامنا من قبلك المرء حارث* * * فغودر مسلولا لدى الاكم الصهب
قال هشام: و كان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا، و اكثر المصائب في أهلها، و سبى و غنم، و كان من أشد الملوك نكاية في عدوه، و ابعدهم مغارا فيهم، و كان ملك فارس جعل معه كتيبتين: يقال لإحداهما: دوسر، و هي لتنوخ، و للأخرى: الشهباء، و هي لفارس، و هما اللتان يقال لهما: القبيلتان، فكان يغزو بهما بلاد الشام و من لم يدن له من العرب.
قال: فذكر لنا- و الله اعلم- انه جلس يوما في مجلسه من الخورنق، فأشرف منه على النجف و ما يليه من البساتين و النخل و الجنان و الانهار مما يلى المغرب، و على الفرات مما يلى المشرق، و هو على متن النجف، في يوم من ايام الربيع، فاعجبه ما راى من الخضرة و النور و الانهار، فقال لوزيره و صاحبه: هل رايت مثل هذا المنظر قط! فقال: لا، لو كان يدوم! قال:
فما الذى يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة، قال: فبم ينال ذاك؟ قال:
بتركك الدنيا و عباده الله و التماس ما عنده، فترك ملكه من ليلته و لبس المسوح، و خرج مستخفيا هاربا لا يعلم به، و اصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل، فلما أبطأ الاذن عليهم، سألوا عنه فلم يجدوه، و في ذلك يقول عدى بن زيد العبادي: