تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٥٢ - ذكر بقية خبر تبع ايام قباذ و زمن انوشروان و توجيه الفرس الجيش الى اليمن لقتال الحبشه و سبب توجيهه إياهم إليها
جريب ارض مزارع حنطه او شعير قفيزا من حنطه الى القفيزين، و رزق منه الجند و لم يخالف عمر بالعراق خاصه وضائع كسرى على جربان الارض و على النخل و الزيتون و الجماجم، و الغى ما كان كسرى الغاه من معايش الناس.
و امر كسرى فدونت وضائعه نسخا، فاتخذت نسخه منها في ديوانه قبله، و دفعت نسخه الى عمال الخراج، ليجتبوا خراجهم عليها، و نسخه الى قضاه الكور، و امر القضاه ان يحولوا بين عمال الكور و الزيادة على اهل الخراج فوق ما في الديوان الذى دفعت اليه نسخته، و ان يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرعه او شيئا من غلاته آفه بقدر مبلغ تلك الآفة، و عمن هلك من اهل الجزية او جاوز خمسين سنه، و يكتبوا اليه بما يرفعون من ذلك، ليأمر بحسبه للعمال، و الا يخلوا بين العمال و بين اجتباء من اتى له دون عشرين سنه.
و كان كسرى ولى رجلا من الكتاب- نابها بالنبل و المروءة و الغناء و الكفاية، يقال له بابك بن البيروان- ديوان المقاتله، فقال لكسرى: ان امرى لا يتم الا بإزاحة علتي في كل ما بي اليه الحاجة من صلاح امر الملك في جنده.
فاعطاه ذلك، فامر بابك فبنيت له في الموضع الذى كان يعرض فيه الجند مصطبه و فرش له عليها بساط سوسنجرد و نمط صوف فوقه، و وضعت له وسائد لتكاته، ثم جلس على ما فرش له، ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند ان يحضره الفرسان على كراعهم و أسلحتهم و الرجاله على ما يلزمهم من السلاح، فاجتمع اليه الجند على ما امرهم ان يحضروه عليه، و لم يعاين كسرى فيهم، فأمرهم بالانصراف، و نادى مناديه في اليوم الثانى بمثل ذلك، فاجتمع اليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم امرهم ان ينصرفوا، و يغدوا اليه، و امر مناديه ان ينادى في اليوم الثالث: الا يتخلف عنه من شاهد العسكر احد، و لا من اكرم بتاج و سرير، فانه عزم لا رخصه فيه و لا محاباه فبلغ ذلك كسرى، فوضع تاجه على راسه و تسلح بسلاح المقاتله، ثم اتى بابك