تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٦ - ذكر ملك سابور ذي الاكتاف
ليله و هو في قصر المملكة بطيسبون، من ضوضاء الناس بسحر، فسال عن ذلك، فاخبر ان ذلك ضجه الناس عند ازدحامهم على جسر دجلة مقبلين و مدبرين، فامر باتخاذ جسر آخر، حتى يكون أحدهما معبرا للمقبلين، و الآخر معبرا للمدبرين، فلا يزدحم الناس في المرور عليهما.
فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صغر سنه و تقدم فيما امر به من ذلك، فذكر ان الشمس لم تغرب من يومهم ذلك حتى عقد جسر بالقرب من الجسر الذى كان فاستراح الناس من المخاطره بانفسهم في الجواز على الجسر، و جعل الغلام يتزيد في اليوم ما يتزيده غيره في الحين الطويل.
و جعل الكتاب و الوزراء يعرضون عليه الأمر بعد الأمر، فكان فيما عرض عليه امر الجنود التي في الثغور، و من كان منهم بإزاء الأعداء و ان الاخبار وردت بان اكثرهم قد اخل، و عظموا عليه الأمر في ذلك، فقال لهم سابور:
لا يكبرن هذا عندكم، فان الحيله فيه يسيره، و امر بالكتاب الى أولئك الجنود جميعا، بانه انتهى اليه طول مكثهم في النواحي التي هم بها، و عظم غنائهم عن أوليائهم و إخوانهم، فمن أحب ان ينصرف الى اهله فلينصرف مأذونا له في ذلك، و من أحب ان يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف ذلك له و تقدم الى من اختار الانصراف في لزوم اهله و بلاده الى وقت الحاجة اليه.
فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه، و قالوا: لو كان هذا قد اطال تجربه الأمور، و سياسه الجنود ما زاد رايه و صحه منطقه على ما سمعنا به ثم تتابعت اخباره الى البلدان و الثغور، بما قوم اصحابه، و قمع اعداءه.
حتى إذا تمت له ست عشره سنه و اطاق حمل السلاح و ركوب الخيل، و اشتد عظمه، جمع اليه رؤساء اصحابه و اجناده، ثم قام فيهم خطيبا، ثم ذكر ما انعم الله به عليه و عليهم بابائه، و ما أقاموا من أدبهم و نفوا من اعدائهم، و ما اختل من أمورهم، في الأيام التي مضت من ايام صباه، و اعلمهم انه