تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٢٧ - ذكر ملك شيرويه بن ابرويز
بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق و المغار، امرنا باجتباء بقايا السنين، و ما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب و فضه، و من خزائننا من جوهر او نحاس، و رد ذلك كله الى موضعه، حتى إذا كان في آخر سنه ثلاثين من ملكنا امرنا بنقش سكك حديثه، يضرب عليها الورق، فوجد في بيوت أموالنا سوى ما امرنا بعزله من الأموال لارزاق جندنا، و الأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة الف بدره، يكون ما فيها الف الف الف مثقال و ستمائه الف الف مثقال، و ذلك سوى ما زادنا الله الى تلك الأموال، مما أفاء الله بمنه و طوله علينا من اموال ملوك الروم، في سفن اقبلت بها إلينا الريح، فسميناها فيء الرياح، و لم تزل أموالنا من سنه ثلاثين من ملكنا الى سنه ثمان و ثلاثين من ملكنا، التي هي هذه السنه تزداد كثره و وفورا، و بلادنا عماره، و رعيتنا أمنا و طمأنينة، و ثغورنا و أطرافنا مناعه و حصانه، و قد بلغنا انك هممت- لرذوله مروءتك- ان تبذر هذه الأموال و تتويها، عن راى الاشرار العتاة المستوجبين للقتل.
و نحن نعلمك ان هذه الكنوز و الأموال لم تجمع الا بعد المخاطره بالنفوس، و بعد كد و عناء شديد، لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة، المتقلبين الى غلبتهم على ما في ايديهم و انما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان و الدهور كلها، بعد عون الله بالأموال و الجنود، و لن تقوى الجنود الا بالأموال، و لا ينتفع بالأموال الا على كثرتها و وفورها، فلا تهمن بتفرقه هذه الأموال، و لا تجسرن عليها، فإنها كهف لملكك و بلادك، و قوه لك على عدوك.
ثم انصرف اسفاذ جشنس الى شيرويه فقص عليه ما قال له كسرى، و لم يسقط منه حرفا، و ان عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه: انه لا يستقيم ان يكون لنا ملكان، فاما ان تامر بقتل كسرى، و نحن خولك، المانحوك الطاعة، و اما ان نخلعك و نعطيه الطاعة فهدت شيرويه هذه المقاله و كسرته، و امر بقتل كسرى، فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى، فكلما أتاه