تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٥ - ذكر خبر جرجيس
المقربين، و اهل السموات كلهم، و امتنعت من السجود، فقلت: لا اسجد لهذا الخلق و أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ!* فلما قال هذا خلاه جرجيس، فما دخل ابليس منذ يومئذ جوف صنم، مخافه الخسف، و لا يدخله بعدها- فيما يذكرون- ابدا.
و قال الملك: يا جرجيس خدعتني و غررتنى، و اهلكت آلهتي، فقال له جرجيس: انما فعلت ذلك عمدا لتعتبر و لتعلم انها لو كانت آلهه كما تقول إذا لامتنعت منى، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها منى! و انما انا مخلوق ضعيف لا املك الا ما ملكنى ربى قال: فلما قال هذا جرجيس، كلمتهم امراه الملك، و ذلك حين كشفت لهم ايمانها، و باينتهم بدينها، و عددت عليهم افعال جرجيس، و العبر التي اراهم و قالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل الا دعوه فتخسف بكم الارض فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم الله الله ايها القوم في انفسكم! فقال لها الملك: ويحا لك اسكندره! ما اسرع ما اضلك هذا الساحر في ليله واحده! و انا اقاسيه منذ سبع سنين، فلم يطق منى شيئا.
قالت له: ا فما رايت الله كيف يظفره بك، و يسلطه عليك، فيكون له الفلج و الحجه عليك في كل موطن! فامر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علق عليها، فعلقت بها، و جعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس فلما المت من وجع العذاب قالت: ادع ربك يا جرجيس يخفف عنى، فانى قد المت من العذاب فقال: انظري فوقك فلما نظرت ضحكت، فقال لها: ما الذى يضحكك؟ قالت: ارى ملكين فوقى، معهما تاج من حلى الجنه ينتظران به روحي ان تخرج، فإذا خرجت زيناها بذلك التاج، ثم صعدا بها الى الجنه، فلما قبض الله روحها اقبل جرجيس على الدعاء، فقال: اللهم أنت الذى أكرمتني بهذا البلاء، لتعطيني به فضائل الشهداء! اللهم فهذا آخر ايامى الذى وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا، اللهم فانى اسالك الا تقبض روحي، و لا ازول من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبرين من سطواتك و نقمتك ما لا قبل لهم به، و ما تشفى به صدري، و تقر به عيني، فإنهم ظلموني و عذبوني اللهم و اسالك الا يدعو