تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٤ - ذكر خبر جرجيس
جرجيس الى الايمان فآمنت، و امرها فكتمت ايمانها فلما اصبح غدا به الى بيت الأصنام ليسجد لها، و قيل للعجوز التي كان سجن في بيتها: هل علمت ان جرجيس قد فتن بعدك، و اصغى الى الدنيا، و اطمعه الملك في ملكه، و قد خرج به الى بيت اصنامه ليسجد لها! فخرجت العجوز في اعراضهم، تحمل ابنها على عاتقها، و توبخ جرجيس، و الناس مشتغلون عنها فلما دخل جرجيس بيت الأصنام، و دخل الناس معه، نظر فإذا العجوز و ابنها على عاتقها اقرب الناس منه مقاما، فدعا ابن العجوز باسمه، فنطق بإجابته، و ما تكلم قبل ذلك قط، ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشى على رجليه سويتين، و ما وطيء الارض قبل ذلك قط بقدميه، فلما وقف بين يدي جرجيس قال: اذهب، فادع لي هذه الأصنام، و هي حينئذ على منابر من ذهب، واحد و سبعون صنما، و هم يعبدون الشمس و القمر معها، فقال له الغلام: كيف اقول للأصنام؟ قال: تقول لها: ان جرجيس يسألك و يعزم عليك بالذي خلقك الا ما جئته فلما قال لها الغلام ذلك، اقبلت تدحرج الى جرجيس، فلما انتهت اليه ركض الارض برجله، فخسف بها و بمنابرها، و خرج ابليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف، فلما مر بجرجيس، أخذ بناصيته، فخضع له برأسه و عنقه، و كلمه جرجيس فقال له: أخبرني أيتها الروح النجسه، و الخلق الملعون، ما الذى يحملك على ان تهلك نفسك، و تهلك الناس معك، و أنت تعلم انك و جندك تصيرون الى جهنم! فقال له ابليس: لو خيرت بين ما اشرقت عليه الشمس، و اظلم عليه الليل، و بين هلكه بنى آدم و ضلالتهم او واحد منهم طرفه عين، لاخترت طرفه العين على ذلك كله، و انه ليقع لي من الشهوة في ذلك و اللذه مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق ا لم تعلم يا جرجيس ان الله اسجد لأبيك آدم جميع الملائكة، فسجد له: جبريل، و ميكائيل، و اسرافيل، و جميع الملائكة