تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣١ - ذكر خبر جرجيس
فقال: انا اعذب لكم هذا الساحر عذابا يضل عنه كيده فعمد الى نحاس فصنع منه صوره ثور جوفاء واسعه، ثم حشاها نفطا و رصاصا و كبريتا و زرنيخا، ثم ادخل جرجيس مع الحشو في جوفها، ثم اوقد تحت الصورة، فلم يزل يوقد حتى التهبت الصورة، و ذاب كل شيء فيها و اختلط، و مات جرجيس في جوفها فلما مات ارسل الله ريحا عاصفا، فملأت السماء سحابا اسود مظلما، فيه رعد لا يفتر، و برق و صواعق متداركات، و ارسل الله اعصارا فملأت بلادهم عجاجا و قتاما، حتى اسود ما بين السماء و الارض و اظلم، و مكثوا أياما متحيرين في تلك الظلمه، لا يفصلون بين الليل و النهار.
و ارسل الله ميكائيل فاحتمل الصورة التي فيها جرجيس، حتى إذا أقلها ضرب بها الارض ضربا، فزع من روعته اهل الشام أجمعون، و كلهم يسمعه في ساعه واحده، فخروا لوجوههم صعقين من شده الهول، و انكسرت الصورة، فخرج منها جرجيس حيا، فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمه، و اسفر ما بين السماء و الارض، و رجعت اليهم انفسهم فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا: لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب أم ربك؟
فان كان هو الذى يصنعها، فادعه يحى لنا موتانا، فان في هذه القبور التي ترى أمواتا من أمواتنا، منهم من نعرف و منهم من مات قبل زماننا، فادعه يحيهم حتى يعودوا كما كانوا و نكلمهم، و نعرف من عرفنا منهم، و من لا نعرف أخبرنا خبره فقال له جرجيس: لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح، و يريكم هذه العجائب الا ليتم عليكم حججه، فتستوجبوا بذلك غضبه ثم امر بالقبور فنبشت و هي عظام و رفات و رميم ثم اقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم، حتى نظروا الى سبعه عشر إنسانا: تسعه رهط و خمس نسوه و ثلاثة صبيه، فإذا شيخ منهم كبير، فقال له جرجيس:
ايها الشيخ، ما اسمك؟ فقال: اسمى يوبيل، فقال: متى مت؟ قال:
في زمان كذا و كذا، فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام