تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٧ - ذكر خبر جرجيس
جسده حتى تقطع لحمه و جلده و عروقه، ينضح خلال ذلك بالخل و الخردل.
فلما راى ذلك لم يقتله، امر بسته مسامير من حديد فاحميت حتى إذا جعلت نارا، امر بها فسمر بها راسه حتى سال منه دماغه فلما راى ذلك لم يقتله، امر بحوض من نحاس، فاوقد عليه حتى إذا جعله نارا امر به فادخل في جوفه، و اطبق عليه، فلم يزل فيه حتى برد حره.
فلما راى ذلك لم يقتله، دعا به فقال: ا لم تجد ا لم هذا العذاب الذى تعذب به! فقال له جرجيس: ا ما اخبرتك ان لك ربا هو اولى بك من نفسك! قال: بلى قد أخبرتني، قال: فهو الذى حمل عنى عذابك، و صبرنى ليحتج عليك فلما قال له ذلك ايقن بالشر، و خافه على نفسه و ملكه، و اجمع رايه على ان يخلده في السجن، فقال الملا من قومه: انك ان تركته طليقا يكلم الناس اوشك ان يميل بهم عليك، و لكن مر له بعذاب في السجن يشغله عن كلام الناس فامر فبطح في السجن على وجهه، ثم اوتد في يديه و رجليه اربعه أوتاد من حديد، في كل ركن منها وتد، ثم امر باسطوان من رخام، فوضع على ظهره حمل ذلك الاسطوان سبعه رجال فلم يقلوه، ثم اربعه عشر رجلا فلم يقلوه، ثم ثمانية عشر رجلا فاقلوه، فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر.
فلما ادركه الليل ارسل الله اليه ملكا- و ذلك أول ما أيد بالملائكة، و أول ما جاءه الوحى- فقلع عنه الحجر، و نزع الأوتاد من يديه و رجليه، و اطعمه و سقاه، و بشره و عزاه، فلما اصبح اخرجه من السجن، و قال له:
الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده، فان الله يقول لك: ابشر و اصبر، فانى ابتليك بعدوي هذا سبع سنين، يعذبك و يقتلك فيهن اربع مرار، في كل ذلك ارد إليك روحك، فإذا كانت القتله الرابعه تقبلت روحك و اوفيتك اجرك فلم يشعر الآخرون الا و قد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم الى الله.
فقال له الملك: ا جرجيس! قال: نعم، قال: من اخرجك من السجن؟