تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٦ - ذكر خبر جرجيس
فصار إنسيا ملكيا، سمائيا ارضيا، يطير مع الملائكة و حدثنى: اين تجعل مجليطيس، و ما نال بولايتك: فانه عظيم قومك، من المسيح بن مريم و ما نال بولاية الله! فان الله فضله على رجال العالمين، و جعله و أمه آيه للمعتبرين.
ثم ذكر من امر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامه و قال أيضا: و حدثنى:
اين تجعل أم هذا الروح الطيب التي اختارها الله لكلمته، و طهر جوفها لروحه، و سودها على امائه؟ فأين تجعلها و ما نالت بولاية الله، من ازبيل و ما نالت بولايتك؟ فإنها إذ كانت من شيعتك و ملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها الى نفسها، حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها، فانتهشت لحمها و ولغت دمها، و جرت الثعالب و الضباع اوصالها! فأين تجعلها و ما نالت بولايتك من مريم ابنه عمران و ما نالت بولاية الله! فقال له الملك: انك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم، فاتنى بالرجلين اللذين ذكرت امرهما، حتى انظر إليهما، و اعتبر بهما، فانى انكر ان يكون هذا في البشر.
فقال له جرجيس: انما جاءك الانكار من قبل الغرة بالله، و اما الرجلان فلن تراهما و لن يرياك، الا ان تعمل بعملهما، فتنزل منازلهما.
فقال له الملك: اما نحن فقد أعذرنا إليك، و قد تبين لنا كذبك، لأنك فخرت بامور عجزت عنها، و لم تات بتصديقها ثم خير الملك جرجيس بين العذاب و بين السجود لأفلُّون، فيثيبه! فقال له جرجيس: ان كان افلون هو الذى رفع السماء- و عدد عليه أشياء من قدره الله- فقد اصبت و نصحت لي، و الا فاخسا ايها النجس الملعون! فلما سمعه الملك يسبه و يسب آلهته غضب من قوله غضبا شديدا، و امر بخشبه فنصبت له للعذاب، و جعلت عليه امشاط الحديد، فخدش بها