تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٥ - ذكر خبر جرجيس
و اعظمه، و حدث نفسه بجهاده، و القى الله في نفسه بغضه و محاربته، فعمد الى المال الذى اراد ان يهديه له فقسمه في اهل ملته حتى لم يبق منه شيئا، و كره ان يجاهده بالمال، و أحب ان يلى ذلك بنفسه، فاقبل عليه عند ما كان أشد غضبا و أسفا، فقال له: اعلم انك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا و لا لغيرك، و ان فوقك ربا هو الذى يملكك و غيرك، و هو الذى خلقك و رزقك، و هو الذى يحييك و يميتك، و يضرك و ينفعك، و أنت قد عمدت الى خلق من خلقه- قال له: كن فكان- أصم ابكم، لا ينطق و لا يبصر و لا يسمع، و لا يضر و لا ينفع، و لا يغنى عنك من الله شيئا، فزينته بالذهب و الفضه لتجعله فتنه للناس، ثم عبدته دون الله، و اجبرت عليه عباد الله، و دعوته ربا.
فكلم الملك جرجيس بنحو هذا، من تعظيم الله و تمجيده، و تعريفه امر الصنم، و انه لا تصلح عبادته فكان من جواب الملك اياه مسألته اياه عنه، و من هو؟ و من اين هو؟ فأجابه جرجيس ان قال: انا عبد الله و ابن عبده و ابن امته، أذل عباده و افقرهم اليه، من التراب خلقت، و فيه اصير و اخبره ما الذى جاء به و حاله و انه دعا ذلك الملك جرجيس الى عباده الله و رفض عباده الأوثان و ان الملك دعا جرجيس الى عباده الصنم الذى يعبده، و قال:
لو كان ربك الذى تزعم انه ملك الملوك كما تقول، لرئى عليك اثره كما ترى اثرى على من حولي من ملوك قومى.
فأجابه جرجيس بتمجيد الله و تعظيم امره و قال له- فيما قال: اين تجعل طرقبلينا، و ما نال بولايتك، فانه عظيم قومك، من الياس، و ما نال الياس بولاية الله! فان الياس كان بدؤه آدميا يأكل الطعام، و يمشى في الاسواق، فلم تتناه به كرامة الله حتى انبت له الريش، و البسه النور،