تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٨ - ذكر خبر جرجيس
قال: أخرجني الذى سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك مليء غيظا، فدعا باصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا، فلما رآها جرجيس تصنف له، اوجس في نفسه خيفة و جزعا، ثم اقبل على نفسه يعاتبها باعلى صوته، و هم يسمعون فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين، و وضعوا عليه سيفا على مفرق راسه، فوشروه حتى سقط بين رجليه، و صار جزلتين، ثم عمدوا الى جزلتيه، فقطعوهما قطعا و له سبعه اسد ضاريه في جب، و كانت صنفا من اصناف عذابه، ثم رموا بجسده إليها، فلما هوى نحوها امر الله الأسد فخضعت برءوسها و أعناقها، و قامت على براثنها، لا تالو ان تقيه الأذى، فظل يومه ذلك ميتا، فكانت أول ميته ذاقها فلما ادركه الليل جمع الله له جسده الذى قطعوه بعضه على بعض، حتى سواه ثم رد فيه روحه و ارسل ملكا فاخرجه من قعر الجب، و اطعمه و سقاه، و بشره و عزاه.
فلما أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبيك! قال: اعلم ان القدره التي خلق آدم بها من تراب هي التي أخرجتك من قعر الجب، فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده، و مت موت الصابرين.
فلم يشعر الآخرون الا و قد اقبل جرجيس، و هم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا- زعموا بموت جرجيس- فلما نظروا الى جرجيس مقبلا، قالوا:
ما اشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنه هو؟ قال الملك: ما بجرجيس من خفاء، انه لهو! ا لا ترون الى سكون ريحه، و قله هيبته قال جرجيس: بلى، انا هو حقا! بئس القوم أنتم! قتلتم و مثلتم، فكان الله- و حق له- خيرا و ارحم منكم.
احيانى و رد على روحي هلم الى هذا الرب العظيم الذى أراكم ما أراكم.
فلما قال لهم ذلك، اقبل بعضهم على بعض، فقالوا: ساحر سحر ايديكم و اعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم من السحره، فلما جاء السحره، قال الملك لكبيرهم: اعرض على من كبير سحرك ما تسرى به عنى، قال له:
ادع لي بثور من البقر، فلما اتى به نفث في احدى أذنيه فانشقت باثنتين، ثم نفث في الاخرى، فإذا هو ثوران، ثم امر ببذر فحرث و بذر، و نبت