الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٦٤ - الطريق الأوّل
العقلاء رغم اختلاف أمكنتهم و أزمنتهم، فالسيرة بهذا المعنى تكون ناشئة عن نكتة يراها العقلاء و يرتّبون سلوكهم و سيرتهم عليها، و في أيّ زمان
نفترض فيه وجود تلك النكتة يكون سلوكهم نفس السلوك السابق، إذ من الواضح أنّ فطرة العقلاء و طبعهم لا يتغيّر بتغيّر الزمن، هذا ما يمكن أن يُقال في تصوير هذا الطريق.
إلّا أنّ الصحيح عدم تماميّة هذا الطريق لإثبات معاصرة السيرة للمعصوم؛ و ذلك لإمكان المناقشة في كلٍّ من الأمرين اللذين يقوم عليهما الاستدلال.
أمّا الأمر الأوّل، فلأنّ ما هو صعب في تحوّل السيرة من سلوك إلى سلوك مقابل هو التحوّل الفجائي و الدفعي في فترة زمنية قصيرة، و أمّا تحوّله في فترة زمنية طويلة و بشكل تدريجيّ و بطيء فهو أمر ممكن و لا صعوبة فيه. فلو كنّا نبتعد عن عصر النصّ أو عصر الغيبة بخمسين سنة مثلًا و وجدنا سيرةَ العقلاء قائمةً على العمل بخبر الواحد و سيرةَ المتشرّعة قائمةً على المسح ببعض الكفّ فيمكننا الحكم بامتداد السيرتين إلى زمن المعصوم؛ لصعوبة افتراض التغيّر فيهما في مثل هذه الفترة الزمنية، و أمّا في زماننا الذي يبعد عن عصر النصّ مئات السنين فيمكن للسيرة في مثل هذه الحقبة الزمنية الطويلة أن تتحوّل بشكل تدريجي.
أمّا إذا أردنا أن نضرب مثالًا في السيرة المتشرّعية لتتّضح حقيقة المناقشة في الأمر الأوّل فنقول: لو رأينا قيام سيرة المتشرّعة على جواز مسح القدمين ببعض الكفّ في الوضوء، فمن الصعوبة بمكانٍ الجزمُ بمعاصرة هذه السيرة للمعصوم عن طريق وجودها الآن؛ إذ ربما استند المتشرّعة بعد عصر المعصوم إلى آراء الفقهاء الذين جاءوا بعد عصر النصّ بأربعمائة سنة أو أكثر