الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٦١ - الإحراز الوجداني للدليل الشرعي غير اللفظي
الشرح
يُعدّ السيّد الشهيد (قدس سره) من الأصوليّين الذين تركوا لمسات إبداعية على علم الأصول، و إحدى إبداعاته يتلمّسها الباحث في بحث السيرة و التفاصيل المذكورة فيها. فإنّ المتتبّع للبحوث الفقهية يجد أنّ بعضاً يستدلّ على رأيه في مسألة ما بالسيرة العقلائية، مع أنّ بعضاً آخر يستدلّ على قول آخر في المسألة نفسها بالسيرة أيضاً، و كأنّ الأمر يبدو في صورته البدوية فوضويّاً و بلا ضابط، و قد حاول الشهيد (قدس سره) من خلال بحوثه في السيرة أن يخرجها من الحالة المذكورة إلى حالة تقوم على أسس و ضوابط، فحقَّق الكلام في تفاصيلها و منهجها بما لا مزيد عليه، و هو ما سنقف عليه في البحوث الآتية.
الإحراز الوجداني للدليل الشرعي غير اللفظي
ما نخوض غمار بحثه هنا في الدليل الشرعي غير اللفظي بالتحديد هو السيرة العقلائية و كيفيّة إثبات كلا ركنيها وجداناً، حيث تقدّم في بحث السيرة العقلائية أنّه لا بدّ من أن يتوفّر فيها ركنان لتتمّ صلاحيّتها في الدلالة على الحكم الشرعي، و الركنان هما:
الأوّل: معاصرة السيرة للمعصوم.
الثاني: سكوت المعصوم عنها الدالّ على الإمضاء.
و قد يناقش في توفّر كلا الركنين في السيرة العقلائية في مثل أزمنتنا المتأخّرة.
أمّا بالنسبة إلى الركن الأوّل: فمن الواضح أنّنا لم نكن معاصرين لزمن المعصوم لنرى هل السيرة الموجودة في زماننا موجودة في زمانه أيضاً؟
فلو رأينا عقلاء اليوم يعملون بقاعدة «مَن حاز ملك» فما الدليل على أنّ عقلاء عصر المعصوم كانوا يرون مثل ذلك؟ فلربما لم تكن مثل هذه السيرة موجودة، بل ربّما كانت سيرتهم مخالفة لما هو موجود اليوم!