الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٤١ - التطابق بين الدلالات
و لنأخذِ الآنَ الدلالةَ التصديقيةَ الثانيةَ بعدَ افتراضِ تعيينِ الدلالتينِ السابقتينِ عليها لنجدَ فيها نفسَ الشيءِ، فإنّ الظاهرَ من
الكلامِ في مرحلةِ الدلالةِ التصديقيةِ الثانيةِ أنّ المرادَ الجدِّيَّ متطابقٌ مع ما قُصدَ إخطارُه في الذهنِ في مرحلةِ الدلالةِ التصديقيةِ الأولى، فإذا قالَ المتكلّمُ: «أكرمْ كلَّ جيراني» و عرَفْنا أنّهُ يريدُ أن يُخطرَ في ذهنِنا صورةَ العموم، و لكنْ شككْنا في أنّ مرادَه الجدِّيَّ هل هو أن نكرمَ جيرانَه جميعاً، أو أن نكرمَ بعضَهم، غيرَ أنّه أتى باللفظ عامّاً و قصدَ إخطارَ العمومِ مجاملةً لجيرانه؟ ففي هذه الحالة نجدُ أنّ ظاهرَ حالِ المتكلّمِ أنّه جادٌّ في التعميم، و أنّ مرادَه الجدِّيَّ ذلك، و مردُّ ذلك في الحقيقةِ إلى ظهور حالِ المتكلّمِ في التطابقِ بين الدلالةِ التصديقيةِ الأولى و الدلالةِ التصديقيةِ الثانيةِ، فما دام الظاهرُ من الأولى إخطارَ صورةِ العمومِ، فالظاهرُ من الثانيةِ إرادةُ العمومِ جدّاً. و هذا الظهورُ حجّةٌ، و يُطلَقُ على حجّيتِه في هذا المثالِ «أصالةُ العموم».
و قد يقولُ المتكلّمُ: «أكرم فلاناً» و يخطُر في ذهنِنا مدلولُ الكلام، و لكنّنا نشكُّ في أنّه جادٌّ في ذلك، و نحتملُ أنّه متأثّرٌ بظروفٍ خاصّةٍ من التقيّةِ و نحوِها، و أنّه ليس له مرادٌ جدِّيٌّ إطلاقاً، و الكلامُ فيه كالكلامِ في المثالِ السابق، فإنّ ظهورَ التطابقِ بين الدلالتينِ التصديقيّتين يقتضي دلالةَ الكلامِ على أنّ ما أخطرَهُ في ذهنِنا عندَ سماع هذا الكلامِ مرادٌ له جدّاً، و أنّ الجهةَ التي دعتْهُ إلى الكلام هي