الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢١٧ - مفهوم التواتر
تاسع ستكون، و هكذا إلى أن تصل قيمة احتمال الكذب في الخبر إلى عدد لا يعير له العقل البشري أيّ اهتمام يُذكر، و يسقطه من الاعتبار إمّا عملياً أو واقعياً لشدّة ضئالته و عدم قدرة الذهن البشري على الاحتفاظ بالاحتمالات الضئيلة جدّاً.
و قد اعترف السيّد الشهيد (قدس سره) في «الأسس المنطقية للاستقراء» بأنّ أغلب اليقين الموجود عندنا هو من هذا القبيل لا من قبيل اليقين الرياضي؛ إذ هو نادر الوجود في حياتنا، فإنّ الكسر الرياضي و إن كان لا ينعدم مهما بلغ ضآلة إلّا أنّ الإنسان السويّ يتعامل مع الاحتمال الضئيل جدّاً معاملة المعدوم عملياً أو واقعياً.
فتلخّص إلى هنا: أنّه كلّما ازداد عدد المخبرين، تضاءل احتمال كذب القضية حتّى يصل إلى درجة لا يعتني به الذهن البشري من الناحية العملية، بل و الواقعية أيضاً لو كان ضئيلًا جدّاً.
و منه يُعلم بأنّ الخبر المتواتر يفيد اليقين و لكن لا اليقين الرياضي الذي ينعدم فيه احتمال المخالفة (١٠٠%)، و إنّما اليقين الذاتي الذي يتعامل الإنسان فيه مع احتمال المخالفة معاملة المعدوم.
بقي علينا أن نشير قبل الحديث عن أقسام التواتر إلى تساؤل يُثار في الخبر المتواتر مفاده: هل يشترط عدد معيّن من المخبرين لحصول التواتر؟
و جوابه: لا يشترط عدد معيّن في حصول التواتر، و إنّما سرعة حصول التواتر و بطؤه يرتبط بالمخبر كمّاً و نوعاً من جهة، و بالقضية المتواترة من جهة
أخرى. فلعلّه في قضية ما يحصل التواتر بإخبار عشرة مخبرين، و في قضية ثانية لا يحصل حتّى بإخبار مائة شخص، و سيأتي مزيد توضيح لذلك عند الحديث عن خصائص المخبرين و خصائص المخبر عنه، كلّ ذلك بعد أن نبحث أقسام التواتر التي هي مادّة بحثنا الآتي.