التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٤ - العدالة في الفكر الفلسفي
قل الحق)، فإذا احتكمنا الى العدل رأيتنا قد وفقنا لما فيه الخير للجميع؛ فنقسّم الدستور الى ما يخدم الحرية عندما تكون من حق الناس الحرية، والى ما يخدم الأمن إذا كان في مصلحة الناس الأمن. وهكذا تكون قيمة العدل ميزاناً لسائر القيم الاساسية في الدساتير.
بعد هذه المقدمة نعيد بايجاز ما اسلفناه في الجزء الثالث [١] من هذه الموسوعة، حسب البصائر التي استوحيناها من الوحي؛ الايمان هو الاعتراف بالحق كله؛ [٢] بالله سبحانه، وبخلقه؛ أي بما في السموات وبما في الأرض؛ بالاحياء والطبيعة، بالناس جميعاً، وبالنفس وما فيها من روح وجسد، وعقل وشهوات.
وهذا الاعتراف قاعدة العدالة في بصائر الوحي، لانه يؤدي بنا الى احترام كل الحقوق التي يفرضها ايماننا بكل ماهو حق، ابتداءً برب العزة الخالق الحق، ومروراً بانفسنا وما فيها من ابعاد مختلفة، وانتهاءً بالعالم المحيط بنا وكل ما فيه.
وإذا ألقينا نظرة الى الفلسفة وروّادها، رأيناها تعتقد في العدالة أنها حاكمة على عالم المثُل (عند افلاطون)، ولابد من تحقيقها في عالم المادة. ويرى (ارسطو) تلميذه انها القيمة الأولى (بالاضافة الى العقل والحب). اما (ابيقور) فإنه يؤمن بتوازن اللذات (او العدالة بينها)، ويعتبر ذلك القيمة الاساسية.
ويبدو ان (هوبز) من الفلاسفة الأوربيين قد اتخد من (ابيقور) هذه النظرة؛ حين دعا الى ايجاد توازن بين الشهوات الجزئية.
بينما الديانة اليهودية جعلت طهارة القلب الأصل الأول في لوح قيمها، ثم جعلت العدالة الأصل الثاني. واعتبرت المسيحية العدالة أقل واجبات الانسان (مما لايمكن تجاهلها).
أما المذاهب الأخلاقية الحديثة، فقد اشادت جميعها بالعدالة، بالرغم من اختلافهم في تبريرها. فقد اعتقد (كانت) بما سماه ب- (سيادة الغايات)، حيث اوجب ان يجعل الانسان ارادته متوافقة مع ارادة الاخرين (بما يرجع الى فكرة العدالة).
[١] راجع ص ١٨٨.
[٢] راجع التشريع الاسلامي- للمؤلف/ ج ٣/ ص ٢١٣- ٢٢٥.