التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٤ - ١/ ماهي بصيرة الوحي في الذرية؟
الحضانة ولاية وسلطنة، مما يفهم منه بأنها واجب ولا تسقط بالاسقاط كسائر الولايات الواجبة. نرى العلامة النجفي ينفي ذلك، ويقول: ليس في شيء من الأدلة ما يقتضي (ويدل على) ذلك، بل فيهما ما يقتضي خلافه. [١] واعترف بانه لم يعثر على تحرير لأصل المسألة، وحكى عن السيد صاحب كتاب الرياض قوله: لا شبهة في كون الحضانة حقاً لمن ذكر (اي الوالدين)، ولكن هل تجب عليه مع ذلك ام له اسقاط حقه منها؟ الأصل يقتضي ذلك (اي انه واجب وليس مجرد حق) وهو الذي صرّح به الشهيد في قواعده، فقال: لو امتنعت الأم من الحضانة صار الأب أولى، ولو امتنعا معاً فالظاهر إجبار الأب. [٢] ولكن صاحب الرياض لم ير ذلك، حيث قال: وليس في الأخبار ما يدل على غير ثبوت أصل الاستحقاق، وهو لا يستلزم الوجوب. [٣]
والادلة التي تدل او تشير الى ان الحضانة واجب وحق، هي التالية:
أولًا: الآيات القرآنية التي تليت آنفاً، حيث ان تضييع الولد من دون حفظة وحضانته بمثابة قتله، لان الفطرة الالهية قد اقتضت تحميل الوالدين مسؤولية ذريتهما. وهذه الفطرة التي يشترك فيها البشر مع سائر الاحياء، والتي يحكم بها عقل الانسان ووجدانه، تحدد معنى قتل الاولاد في الآيات. فمن ضيع عياله حتى يموتوا يعتبر قاتلًا لهم في العرف، فتشمله آيات القرآن الناهية عن قتلهم. ذلك ان الخطاب القرآني موجّه الى العرف، فما اعتبره العرف قتلًا يشمله نهي القرآن.
وهذا الفهم المستوحى من الآية، شبيه بفهم واجب حفظ النفس من قوله سبحانه: وَلَا تُلْقُواْ بِايْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة/ ١٩٥). فمن لم يحفظ نفسه حتى مات، اعتبر لدى العرف مخالفاً لهذه الآية، لأنه ألقى نفسه الى التهلكة، وذلك بعدم حفظ نفسه.
ثانياً: لاريب في وجوب الانفاق على الأولاد. وماذا يعني الانفاق؟ إنه حفظ الاولاد من غائلة الجوع والمرض والبرد وما أشبه. فهو- بالتالي- البذل من أجل حفظ الأولاد. أفلا
[١] جواهر الكلام/ الطبعة الثالثة- بيروت/ ج ١١/ ص ١٨٣.
[٢] المصدر.
[٣] المصدر.