التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٩ - ثالثا خيرا زكاة واقرب رحما
الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. فقال: صدقت لكأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله جلّ وعزّ قطّ، فاعتنقا وبكيا. [١]
معلوم ان الامام الصادق عليه السلام لم يكن ليسترسل مع ابن عمه عبد الله في حركة فاشلة، لمجرد اصراره او كلامه الخشن، ولكن في ذات الوقت لم يكن يقطع رحمه لذلك.
وهكذا ينبغي لقادة المؤمنين ان يتلطفوا في تطبيق قراراتهم الصعبة، من دون ان يقاطعوا المخالفين لهم او يقطعوا صلتهم بهم، خصوصاً إذا كانوا ارحاماً او غير واعين.
ثالثاً: خيراً زكاةً واقرب رحماً
(الكهف/ ٨٠- ٨١)؛ لقد كان العالم الذي رافقه موسى بن عمران عليه السلام ليتعلم منه، يسعى من اجل ان يبدل الله الغلام الذي قتله بمولود أفضل زكاة؛ أي نموه يكون نمواً زاكياً،
بدل ذلك النمو الطاغي. (فهناك نمو زاك ونمو طاغ. النمو الزاكي، هو نمو طاهر خال من السلبيات. أما النمو الفاسد، فهو نمو خبيث مليء بالسلبيات).
ومن هذه الآية نستفيد الفرق بين صلة الرحم وبين الكفر بسبب الرحم. فالعلاقة التي تربط بين الأب وإبنه إذا كانت علاقة بعيدة عن الايمان بالله سبحانه وتعالى وشكره، فان هذه العلاقة هي علاقة الكفر وتناقض الشكر لله سبحانه. بينما إذا كانت العلاقة هي علاقة الشفقة التي هي امتداد لعلاقة الانسان بالله، كأن أقول: اني احب إبني واساعده، لأنه نعمة من الله سبحانه. فهنا تكون العلاقة امتدادية، وآنئذ تصبح هذه العلاقة علاقة الرحم، والتي يعبر عنها القرآن فيقول: واقرب رحماً. والكلمتان الأخيرتان جاء بهما القرآن لتتقابل مع الكلمتين الأوليتين؛ فالزكاة والرحم في مقابل الطغيان والكفر. وهذه البصيرة تهدينا الى الحقائق التالية:
١/ الاحكام الشرعية عموماً ليست محصورة بمصلحة الأفراد، وانما هي متجهة الى المصلحة العامة. والمصلحة العامة هي مصلحة الأفراد مجتمعين، بينما المصلحة الخاصة هي مصلحة الأفراد منفصلين. ومن الطبيعي ان تتفوق مصلحة الافراد مجتمعين على
[١] اصول الكافي/ ج ٢/ ص ١٥٥/ ح ٢٣.