التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٣ - باء الصحة والضرر البالغ
سبحانه قد أمر بالحجر على السفيه إذا تصرف في امواله بلا حكمة. فكيف لا يحصر عليه إذا فعل مثل ذلك في جسمه، والجسم أهم من المال؟ وانه سبحانه قد بيّن في كتابه، ان الالهة التي تعبد من دون الله تضر المشركين، فقال سبحانه: يَدْعُواْ لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (الحج/ ١٣)، وقال سبحانه فيما يرتبط بتعليم السحر وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيَمانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ انْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَالَهُ فِي الاخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (البقرة/ ١٠٢)، وقال تعالى مخاطباً
رسوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلآَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (النساء/ ١١٣)
ونستفيد من جملة هذه الآيات وسائر الكلمات القرآنية التي دارت حول الضر والضرار والاضطرار؛ ان تجنب الضرر امر فطري عند البشر، لا يحتاج الى مزيد دليل او برهان، حتى أصبح محوراً لحكم الشريعة الغراء.
ثم ان الله سبحانه خاطب النبي صلى الله عليه وآله، بأنه لم ينزل عليه الذكر ليشقى (لما بالغ النبي صلى الله عليه وآله في العبادة، حسب التفاسير). فقال سبحانه: طه* مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى* إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى (طه/ ١- ٣). مما يدل على ان الافراط في العبادة الى حد الضرر، ليس من الدين.
وقد وردت النصوص تترى في ضرورة الاستشفاء، وقد سبق بعضها وهي تدل على حسن المبادرة الى الطبيب والدواء، وفي بعضها البراءة ممن يموت بسوء تقديره والاستفادة من المعالجة مع الصحة.
فقد روي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: من ظهرت صحته على سقمه فيعالج نفسه بشىء فمات، فأنا إلى الله بريء منه. [١]
[١] بحار الانوار/ ج ٥٩/ ص ٦٤/ ح ٥.