التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٧ - باء حلية الرزق
وقال صاحب الجواهر معقباً على كلامه هذا: مع ان طباع اكثر المدن العظيمة ايضاً مختلفة في التنفر وعدمه جداً، كما لا يخفى على من اطلع على احوال سكان بلاد الهند والترك والأفرنج والعجم والعرب في مطاعمهم ومشاربهم. [١]
ولحل هذه المعضلة، وهي اختلاف الطباع في معرفة الطيب، قال: عنوان التحريم هو ما يستخبثه الانسان بطبعه السليم (النظيف) من آفة، من حيث ذاته، وينفر منه ويشمئز منه، من غير فرق بين العرب والعجم، وأهل المدن والبادية، وزمان اليسار وغيره. [٢]
وهكذا افترض العلامة النجفي وجود معيار واحد عند جميع البشر في الطيب والخبيث، لأن الخبيث عنده معنى قائم في المستخبث، لايختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والناس، ويقابله الطيب الذي هو كذلك. فلا عبرة بنفرة بعض الطباع (من بعض الوان الطيب) لعدم تعود، او لعدم ملائمة لخصوص ذلك الطبع، او لغير ذلك مما يكون سبباً للنفرة، لا من حيث الطبع الانساني المشترك بين غالب افراده. [٣]
اقول: في حقل العرف، وانه معيار لكثير من الاحكام الشرعية، وبالذات في مثل المعاشرة بالمعروف، يرى الفقهاء ان المراد هو العرف الذي يعايشه الفرد، وليس أي عرف، ولم يحددوا معياراً واحداً مشتركاً للعرف في كل زمان ومكان. وهناك أمور مشابهة مثل الزينة (للنساء)، والاستطاعة (للحج)، والاسراف وغيره (في أبواب الحقوق الشرعية). ولعل في الآية الكريمة التي يقول الله فيها: بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (القيامة/ ١٤- ١٥) دلالة على ان بعض الأمور ترجع الى المعيار الذاتي، لا الموضوعي.
وتفصيل ذلك؛ إن هناك بعض الخبائث والطيبات معروفة عند البشر، لا يتفاوتون فيها مثل فضلات البشر، وبعضها يختلفون فيها. فنرجع فيما اتفقوا الى المعيار الموضوعي، كما نرجع فيما حدده الشرع من الخبائث والطيبات الى الوحي. وفيما عداهما يرجع اهل كل عرف الى عرفهم، فما رأوه طيباً أكلوه، وما وجدوه خبيثاً اجتنبوه ..
[١] جواهر الكلام/ الطبعة السادسة/ ج ٣٦/ ص ٢٣٨.
[٢] المصدر/ ص ٢٣٩.
[٣] المصدر.