من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٦ - حقيقة الإيمان وامتياز المؤمنين
حقيقة الانتماء
[٥٣] والتنافس بين الناس متجذر في فطرتهم حتى في الدين، حيث يسعى كل فريق أن يكون هو الأقرب إلى صاحب الرسالة، وأن يكون الفريق الثاني الأبعد، ولذلك فإن كثيراً من الناس يبتعدون عن الدين فقط لهذا السبب، لذلك حذر القرآن الحكيم من هذا الأمر وقال
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا فكانوا هم السابقين إلى اعتناق الدين الجديد؟!.
ويجيب الله على هذا السؤال الذي يطفح بالاستنكار أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ نعم إن الله منَّ على هؤلاء بأن وفقهم لقبول الرسالة، ولكن ليس عبثاً، بل لأنه عرف أنهم أشكر من غيرهم لنعمة الرسالة، وأي فرد كان شاكراً لله وعارفاً بحق الرسالة فسوف يوفقه الله سبحانه أيضاً.
[٥٤] إن انتماء البسطاء إلى الرسالة لا يعني الغض عن سيئاتهم، بل الإغماض عن تلك السوابق، التي ارتكبوها بجهالة، وقبل أن يصل مستوى وعيهم وإيمانهم وتربيتهم حدًّا كافياً يردعهم عنها، أما في المستقبل فليس عليهم التوبة فقط، وإنما إصلاح أنفسهم أيضاً.
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي إنكم في أمان، لا خوف عليكم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذه هي الرحمة التي كتبها الله على نفسه، وهذا هو السلام، فالإسلام يَجُبُّ ما قبله، ويبدأ الفرد معه حياة جديدة.
[٥٥] ومع العفو العام الذي تقتضيه هذه الرحمة الربانية الشاملة، يتميز المجرمون المعاندون عن الجاهلين. حيث أن الفرد الذي يستمر في الخيانة والظلم، ولا يصلح نفسه بعد العفو العام فليستعد للعقوبة.
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ الذين يختارون طريقاً غير طريق الله بعمد وسبق إصرار.