من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - وهكذا يحتجب الخلق عن الرب
فسوف تسكت عن الظالم، وتكون أنت أول من يحيط به ظلم الظالم، ويحطم سعادته.
[٦] هكذا كان مصير كل أولئك الذين أعرضوا عن آيات الله، وكذبوا بالحق، واستهزؤا به كتعبير عن استخفافهم به، واستهانتهم بدوره في سعادتهم.
سنة العذاب
إننا إذا نظرنا إلى تاريخ البشرية فأننا نرى حقيقة بارزة هي أن مصير كل المكذبين بالحق كانت المأساة.
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ هل أهلكوا لأنهم كانوا ضعفاء؟ كلا بل بالعكس مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ أي أنهم سيطروا على موارد الأرض، وسخروها في مصلحتهم بإذن الله، واستقروا في الأرض، واطمأنوا بها حتى ليكاد يحسبهم الناظر أنهم خالدون فيها.
وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ لقد استقروا في الأرض وتجاوزوا مرحلة البداوة، والارتحال من منطقة لأخرى طلباً للرزق، خوفاً من الوحوش، أو من نكبات الطبيعة، ثم كانت موارد الرزق عندهم كبيرة وسهلة وهذه هي أسباب قيام الحضارات البشرية.
ولكن هذه الحضارة (التمكين) لم تشفع لهم. إذ أنهم حين أعرضوا عن آيات الحق، وكذبوا بها واستهزؤا. آنئذ خالفوا الحق عمليًّا، وأكثروا من الذنوب التي هي تعبير ديني عن مخالفة الحق.
إنهم ظلموا أنفسهم، وطغوا على الآخرين، ولم يستفيدوا من موارد الطبيعة، بل أفسدوها، وفعلوا مثلما فعل قوم عاد أو قوم لوط أو قوم شعيب، وكانت النتيجة: أن تلك الذنوب تكاثرت حتى أحاطت بهم، وأنهت حضاراتهم. فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ إن هذه عبرة كافية للبشر إذا أراد أن يعتبر.
[٧] ولكن البشر قد يغلق على نفسه منافذ قلبه. فلا يقبل الحق ولو جاءه بطريقة إعجازية وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ أي في أوراق ملموسة يرونها تهبط عليهم من السماء كما ينزل المطر إنهم لا يفكرون أن ذلك إعجاز، فكيف ينزل من السماء قرطاس فيه هدى ونور، إذن لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وكيف يمكن إقناع من يخلط المعجزة