من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - عيسى اعبدوا الله ربي
دُونِ اللَّهِ إن أولئك الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين من دون الله، إنما أرادوا التهرب من مسؤولية أعمالهم، والادعاء: بأن عيسى وأمه (عليهما السلام) سوف ينقذانهم من عذاب الله حتى ولو عملوا بالجرائم، فأراد الله أن يبين لهم: أن هذين العبدين لا يمكنهما، تحدي أوامر الله، فيما يخصهما فكيف بما يتعلق ببعض من يدعون أنهم أتباعهما.
قَالَ سُبْحَانَكَ أي أنك أجل من أن يعبد أحد من دونك، بل أنت أجل وأعلى من أن يدعي أحد أنه ند لك.
مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍ إذ أني مجرد رسول من قبلك للناس، ومسؤولية الرسول هو التقيد بتعاليم من أرسله بلا زيادة ولا نقيصة، حتى ولو كان كلام الرسول حقاً فإن حدود مسؤوليته تستوجب ألا يتجاوز حدود ما أمر الله بتبليغه، فمثلًا: رسول الله لم يكن يستطيع أن يشرح من القرآن ما لم يحن وقته، بالرغم من أن القرآن ذاته كلام الله الحق المبين.
إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إن مسؤولية الإنسان أمام ربه ليست كمسؤوليته أمام شخص كعيسى (عليه السلام)، أو أمام نظام أو قانون، إذ قد يغيب على الشخص العلم ببعض أعمال الفرد، بينما الله سبحانه علام الغيوب، لا يعلم فقط أعمال الإنسان، بل يعلم أيضاً خلفيات هذه الأعمال.
دور الرسول
[١١٧] إن دور الرسول هو دور المبلغ والشهيد، أما التبليغ، فإن مسؤوليته هي: نقل رسالة الله بلا زيادة أو نقيصة، وأما الشهادة فتعني: مراقبة مدى تطبيق الأفراد لهذه الرسالة، ومحاولة هدايتهم إلى الصراط المستقيم ببيان طريقة تطبيق المبادئ، وقد أدى عيسى (عليه السلام) هاتين المسؤوليتين بأمانة وقال مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ بيد أن شهادة الرسول هي شهادة محدودة، إٍنها شهادة وقتية، تختص بأيام حياته أما بعدئذ فإن الله هو الشهيد.
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ تراقب أعمالهم لتحاسبهم عليها في الدنيا والآخرة، أما رقابة الله لأعمال العباد فتنعكس في جزائه لهم عليها جزاءً عاجلًا في الدنيا، أو آجلًا في الآخرة، من دون أن يقدر أحد على الفرار منها، وهذا يدفعنا إلى فرض رقابة ذاتية على أنفسنا ألا تصدر منا غلطة، يسجلها ربنا ويحاسبنا عليها سريعاً.
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ شهادة الله هي: هيمنته المباشرة على الحياة التي تتجسد بنصر