من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - التطهر واجب إسلامي
إلى الرسغ، هل يفهم من ذلك أن الغسل يبدأ من الرسغ، فلا يتصور الإبن أن والده أمره بأن يقلب كفيه حين يغسل؟ أوليس إذا أمرت الصباغ بأن يصبغ غرفتك إلى السقف، أولست تضحك عليه إذا رأيته يأخذ بالصبغ من أسفل الغرفة صاعداً إلى السقف، بل قد تنهاه عن ذلك لأنه يسبب تشويه الغرفة، فإذا قال لك أنت أمرتني بأن أصبغ إلى السقف، أولًا ترد عليه بأني إنما أردت أن يكون نهاية المقدار المصبوغ عند السقف؟! ولم أرد أن يكون أسلوب الصباغة من تحت إلى فوق .. إذ أن الأسلوب شأنك أنت وليس من شأني .. وأنت تعرفه جيداً.
كذلك الأمر هنا، حيث العرف يعرف كيف تغسل الأشياء، ولكن على الشريعة أن تحدد لهم فقط المقادير.
كيفية المسح
وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ أي امسحوا بجزء من رؤوسكم فتدل الباء هنا على ضرورة مسح جزء من الرأس، أما الرجل فبالرغم من أنها هي الأخرى يمسح عليها ولكن القرآن جعل الكلمة منصوبة من ناحية الإعراب وَأَرْجُلَكُمْ بفتح اللام لماذا؟ لأنه لو جعلها مجرورة أَرْجُلِكُمْ بكسر اللام اذاً لكان تقديره ب- [أَرْجُلِكُمْ] ومن الطبيعي أن هناك اختلافاً كبيراً بين المسح بالرجل والمسح بالرأس، فالمسح بالرجل يعني عند العرف جعل الرجل أداة للمسح كأن نقول: امسح برجلك الأرض فقد قال الله تعالى ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص: ٤٢].
بيد أن الرأس لا يصبح أداة للمسح فلا يتصور أن يكون معنى امسح برأسك أي اجعل رأسك أداة للمسح بشيء آخر، بل يتبادر إلينا معنى (البعضية) أي امسح بعض رأسك.
من هنا كان من البلاغة أن يفتح كلمة (الرجل) ليكون المعنى (اْمْسَحُواْ أَرْجُلَكُمْ) فيجعل لفظ أرجلكم معطوفاً على محل بِرُءُوسِكُمْ وليس على لفظه، أو يقدر له كلمة امسحوا بدلالة السياق. ولو قال القرآن: (اْمْسَحُواْ أَرْجُلَكُمْ) لكنا نتساءل أي شيء نمسحه بأرجلنا، وكأن الأرجل أداة للمسح. والكعبان هما قبتا الرجل.
التيمم
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أي اغتسلوا.
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ