من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٥ - طاعة القيادة الرسالية واجب وضرورة
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً إن الله يتوب على عباده، وينشر رحمته عليهم ان هم تابوا اليه، أطاعوا ممثله في الأرض وهو الرسول، وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) تشفع للبشر في ذنوبهم الصغيرة إذ أن في ذلك طاعة لله في أعظم ما أمر به، وإن الحسنات الكبيرة تشفع في السيئات الصغيرة، كما أن السيئات الكبيرة (كالشرك بالله وطاعة الطاغوت) تحبط الحسنات الصغيرة.
مفهوم الشفاعة في القرآن
ان فكرة الشفاعة الصحيحة هي، ان الرسول يستغفر لمن يطيعه، ويتوب اليه بإخلاص، ولا يعني استغفار الرسول (صلى الله عليه وآله) لأحد أن الله يغفر له حتماً، كما جاء في نص القرآن إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠].
وقد رد الله شفاعة نوح في ابنه واستغفار إبراهيم في أبيه. وهذا هو الفارق بين فكرة الشفاعة الإسلامية ونظيراتها في الديانات الوثنية والمسيحية واليهودية المنحرفة، ان الشفاعة الإسلامية لا تعرف الحتمية، وما هي سوى دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) ربه أن ينزل رحمته، وبالرغم من أن الرسول (صلى الله عليه وآله) مستجاب الدعاء، فإن ذلك لا يحتم على الله سبحانه أن يستجيب للرسول، بل قد يرفضه رفضاً لأنه هو الله الحكيم العليم.
أما فكرة الشفاعة أو الفداء عند الوثنية واليهودية والمسيحية، فهي آتية من فكرة خاطئة أخرى هي: الزعم بتعدد الآلهة، ووجود شركاء لله تغالبون ويتنافسون في شؤون العباد، وبتعبير آخر: الاعتقاد بفكرة وجود مراكز قوى في سلطان الكون، وأن كل مركز يستطيع أن يعمل باتجاه معين، ويجبر ذي العرش (وهو الله سبحانه) على فعل شيء.
هذه الفكرة مرفوضة في القرآن، لأنها مخالفة لرؤية التوحيد وبصيرة الأحدية. وأهمية الشفاعة الاجتماعية، أنها تعطي المجتمع الإسلامي مزيداً من التلاحم والصلابة، إّذ أن الرسول يصبح محوراً يستقطب حوله جميع الطاقات، ليس فقط بدوافع مادية، بل أيضا بدافع إيماني غيبي. ومثل الرسول (صلى الله عليه وآله) في ذلك أوصياؤه الائمة (عليهم السلام)، ومن بعدهم القادة الرساليون الذين يستمدون قدراتهم الاجتماعية من التفاف الناس حولهم طوعا لا كرها، كل واحد منهم يأمل أن يشفع له القائد عند الله، ويستغفر له ربه، وهذا الالتفاف يخدم قضية الأمة الأساسية، وبذلك يستطيع القائد أن يطبق سائر الواجبات الدينية.
وتكون النتيجة وجود مرونة في التشريع الإسلامي، بحيث تتقدم الأهداف الكبرى على