من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦١
يسلم لله رب العالمين دون أن يعير انتباها إلى سائر الناس وهذا معنى الحنيف، وإذا انحرف البشر عن عبادة الله فإلى أين يتجه؟، هل يستبدل الله الذي هو رب كل شيء بغيره ويكتسب إثما؟! إنه إن يكتسب إثماً فإنما يكتسبه على نفسه، ولا يحمل أحداً أثقاله. إذن فالبشر مسؤول عن عمله، وغداً سيلاقي جزاء عمله، ويرى الحقائق واضحة.
أما الطبقات الاجتماعية فلا تدل على أن الطبقة الأعلى رب صغير، وعلى أبناء الطبقة الأدنى إطاعتهم .. كلا. إنما هذه الطبقات هي من صنع الله، وهدفها اختبار البشر، وهي زائلة، والله سريع العقاب، ولكنه قد يمهل البشر لأنه غفور رحيم.
بينات من الآيات
ملة إبراهيم (عليه السلام)
[١٦١] من الفوائد الأساسية لبعث الرسل في صورة أشخاص أنهم يصبحون قدوة حية للآخرين، والبشر بطبيعته يتأثر بالقدوة أكثر من تأثره بالفكرة المجردة، وقد كان الأنبياء (عليهم السلام) يدعون الناس بسلوكهم المستقيم، وأخلاقهم الحسنة، كما كانوا يدعون بأقوالهم، ولقد دعوا أتباعهم إلى مثل ذلك كما جاء في الحديث
«كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُم» [١].
وحين يكون الشخص مستقيماً في فكره يكون مستقيماً في سلوكه، والسلوك المستقيم ينعكس إيجابياً في الفعل، فيصنع واقعاً قائماً بذاته، ويؤثر بالطبع ذلك الواقع في الحياة، ولنضرب مثلًا صغيراً: إذا أصبحت مستقيما فماذا أفعل؟.
أولًا: لا أكذب ولا أخون الوعد أو العهد أو الأمانة، لتزداد ثقة الناس بي، وأصبح قطبا لاهتمامهم، ومركزاً لقيادتهم.
ثانياً: تستقيم آرائي وترشد، فأكون موضعاً لاستشارة الناس، ومركزاً لقيادتهم.
ثالثاً: أكون شجاعاً مقداماً لا أخشى أحداً، فأكون موئلًا للمستضعفين وملجأ لهم.
رابعاً: أستقيم في تربية أبنائي، وتنمية أموالي، وتهذيب زملائي و .. فأكون مثلًا للقوة.
ترى كم تخلف الاستقامة من أثر في الواقع الخارجي فتخلق تغييراً فيه، هكذا تصبح استقامة الأنبياء (عليهم السلام)، ومن أبرز البينات على صدق دعوتهم، وكذلك العلماء والمصلحين.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٧٨.