من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٦ - الإصغاء إلى زخرف القول
على دليل مضاد فلا يبعث موقفهم في أنفسنا الوهن والشك فنقول: لعل حديثهم ينطوي على جانب من الصحة فنخرج- لا سمح الله- من الإيمان، لذلك جاء هذا الدرس وما مضى ليؤكد على أن الله سبحانه ليس فقط حرم هؤلاء من نعمة الهداية، وسلبهم نعمة الفطرة النقية، وإنما أيضاً نظم هؤلاء في قيادة مناهضة لإمامة الرسول، وجعلهم يقلدون أساليب الرسالة حتى أن بعضهم يوحي إلى البعض الآخر وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِ.
و السؤال: كيف جعل الله ذلك، هل خلق أعداء ليكونوا مناهضين للرسالة؟
ربما الجواب السليم هو: أن هذه سنة من سنن الله في الحياة، يذكرها القرآن هنا لنكون على بصيرة منها لئلا نفاجأ بها، ولأن كل السنن في الكون من صنع الله لذلك يعبر عنها القرآن دائماً بمثل هذه التعبيرات.
إن الرسالة التي تنتشر دون مقاومة أعداء لابد أن يتهم أصحابها أنفسهم، لأن هذه السنة لم تتحقق فيهم، وإن الرساليين- الذي ينتظرون عملًا سهلًا وميسوراً- إنهم على خطأ؛ إن شيطان الإنس يتمثل في مجتمع الطاغوت، وشيطان الجن يتمثل في أهواء الجبت والمنافقين وما أشبه.
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وحي الرسالة يتمثل في البصائر التي تساعد البشر على رؤية حقائق الحياة، بينما وحي أعداء الرسالة وثقافاتهم الأسطورية (المقدسة عندهم) يتلخص في أقوال مزخرفة ذات أدب خاو مشبع بالكلمات المفخمة، غير ذات المحتوى، أما روح هذه الكلمات فيتمثل في الغرور، ونفخ الأنانية الباطلة، إن هذا مقياس صادق لتمييز الثقافة الرسالية عن الجاهلية.
حيث أن الأولى تدعو إلى تقديس الحق، والتواضع له، ونسيان الذات والأرض، والدم واللغة، والثروة وما أشبه من أجل إحقاق الحق، بينما الثانية تقدس كل شيء مادي غير الصدق والحق والخير وما أشبه.
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ فلا نتصور أن هناك ضرورة تدعو إلى إسكات هؤلاء، وتصفيتهم أو هدايتهم، إذ لو شاء الله لفعل ذلك، فهو قادر على ذلك وإنما لم يفعل لحكمة بالغة.
الإيمان بالآخرة ومسؤولية الضلال
[١١٣] ومن سنن الله في الحياة أنّ نعيق أئمة الضلال يستقطب الهمج الغثاء الذين