من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٩ - هكذا يتحدى الإيمان ثقافة الشرك
بينات من الآيات
مسؤولية الهداية
[٨٠] بعد رحلة الإيمان، تبدأ رحلة الرسالة. إذ فور ما يتنور قلبك بنور الإيمان. تجد نفسك أمام مسؤولية هي تنوير قلوب الآخرين، ولا يمكنك إلا أن تفعل ذلك. إذ أن الدنيا صراع فلو لم تذهب إلى الناس لهدايتهم جاءوا إليك لإضلالك، وبالتالي سوف يبدأ الصراع، من هنا قال ربنا عن إبراهيم (عليه السلام) بعد أن وحد الله ونزهه عن الشرك به.
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ يبدو أنهم قالوا له
أولًا: أين الله؟ وكيف آمنت به؟ وبأي دليل؟ وبالتالي أخذوا يشككونه في ربه، فأجابهم ببساطة
أنتم لا تعرفون الله. أليس كذلك؟ أما أنا فأعرف الله لأنه قد هداني إليه، ومن لا يعرف لا يستطيع أن يحاج من يعرف، لأنه هو الجاهل، وهذا عالم، وهو الضال، وهذا المهتدي.
ثانياً: قالوا له: لماذا تشرك بالآلهة هذه وهي قوية، وقد تضر بك، انك تكفر بالقوى الاجتماعية (التي يمثلها الطاغوت)، وبالقوى الثقافية التي تمثلها قيم المجتمع، وكهنة المعابد، وبالقوى الاقتصادية التي يمثلها أصحاب الثروة والإقطاع، وآلهة البركة .. و .. و ..، أفلا تخشى هذه القوى؟!.
فأجابهم إبراهيم (عليه السلام): كلا .. أنا لا أخاف كل أولئك، لأن مشيئة الله هي الحاكمة عليها، صحيح أن الطاغوت قد يؤذيني، ولكن أذى الطاغوت إنما هو ضمن دائرة إرادة الله وإذنه، فلو لم يرد شيئاً لا يمكن أن يقع، والله محيط علمه بالجبت والطاغوت ومن في فلكهما، فهم أضعف من الله، وأضاف إبراهيم (عليه السلام) قائلًا: عودوا إلى فطرتكم النقية وتذكروا أن الله أقوى من خلقه، وأن علينا أن نخشاه ولا نخشى خلقه. قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ
[٨١] للآلهة رموز وإن ما يخافه البشر هو القوى الطبيعية أو الاجتماعية التي ترمز إليها الآلهة، والخضوع لهذه الآلهة إنما هو رمز الخضوع لتلك القوى، ولا يمكن أن يتحرر البشر من هذا الخوف إلا بخوف أقوى، وهو الخوف من رب القوى الموجودة في الكون، لذلك حذر إبراهيم قومه من غضب الله، وقال وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً وربما يتصور البعض منا أن الله رحيم بعباده، إذن لا خوف منه، أما الطبيعة فهي قاسية فعلينا الخضوع لها لنتجنب ضررها، هذه